إعلان

تابعنا على فيسبوك

أنا "وأشطاري؟".. نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء/ سيدي محمد يونس*

سبت, 13/11/2021 - 12:24

 

كانت الساعة تشير إلى السابعة من مساء يوم ال15 أكتوبر 1994، وكان المكان وسط العاصمة نواكشوط، وتحديدا أمام بناية البنك الموريتاني للتجارة الدولية BMCI المعروفة باسم Afarco، وهي أول أطول عمارة في العاصمة حينها بسبعة طوابق.
لم يكن مروري صدفة، فقد توجهت صوب المكان لاقتناء ما صدر من جرائد كانت في معظمها أسبوعية، لكنها قد تختفي عن الأنظار في موعد الصدور بفعل المادة11 من قانون الصحافة في ذلك الوقت، والتي تصادر وزارة الداخلية بموجبها النشريات المستقلة التي تتضمن ما لا يروق للسلطة الحاكمة.
أذكر من تلك الجرائد، مثالا لا حصرا، أسبوعية "القلم"، التي يديرها المرحوم حبيب ولد محفوظ، وتتولى رئاستها الوزيرة السابقة هند بنت عينينا، وتضم كوكبة من رواد الإعلام الحر، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر المدير الحالي للوكالة الموريتانية للأنباء محمد فال ولد عمير، ومديرها الأسبق موسى ولد حامد، والمدير بقناة beinsports الرياضية محمد الأمين ولد أباه... وغيرهم، وكانت من اكثر الصحف رواجا، لكنها لم تكن الوحيدة التي يقتنيها القراء من باعة الصحف أمام Afarco، فهنالك "أخبار الأسبوع"، التي تديرها الزميلة زينب بنت اجد، ويرأس تحريرها المرحوم محمد ولد بوب، وتضم في طاقمها الزميلان محمد الأمين ولد احظانا والتاه ولد أحمد، وكذلك جريدة "الخيار"، التي ترأس تحريرها المديرة بالسلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية HAPA حواء بنت ميلود.
ويمكن القول إن الأخت الزميلة حواء كانت أول من شجعني على المضي قدما في خيار ولوج حقل الصحافة، وذلك بنشر مقالاتي والتعبير عن الإعجاب بلغتها ومضمونها.
وسط هذا الجو الصحفي الرائع، وخلال تفقدي لعناوين الصحف الصادرة في ذلك اليوم، لفتت انتباهي جريدة "أشطاري؟ "، بعنوانها المثير وشخصياتها الساخرة ولون ورقها المميز.
اقتنيت الجريدة الساخرة الساحرة وقادني الفضول لقراءتها قبل بقية الجرائد حتى آخر حرف فيها. 
كانت مفاجأتي الكبرى عندما وصلت لطاقم الجريدة، فإذا بهم أصدقائي وإخوتي عبد الباقي ولد محمد، عبد الرحمن ولد احمد سالم، عبد الله ولد اتفاغ المختار، الطالب ولد سيدي، المختار ولد إبراهيم، ورسام الكاريكاتير المبدع بون ولد الدف، وحينها لم يكن التواصل عبر الهاتف متاحا، لكن دار الشباب الجديدة كانت أول ما قفز إلى ذهني في رحلة البحث عن الطاقم الصحفي الجديد. 
يممت وجهي صوب دار الشباب، وهنالك حصل نصاب الطاقم، فكان ولد اتفاغ المختار الغائب الوحيد، فلم يكن من رواد الدار نظرا لانشغالاته في الصحافة الجادة قبل الساخرة. 
في اليوم الموالي كان الجميع في مقر الجريدة الواقع في عمارة المنى، المملوكة لخدي بنت همام، ومنذ ذلك الحين بدأت أولى خطواتي نحو الكتابة الساخرة، ولم تمض إلا أيام حتى توصل التحرير بمقابلة غاية في العمق والسبك والسخرية والإبداع مع الشاعر "الافتراضي" مبدع بن أبي القصائد، الملقب مبيق، لكاتبها المبدع الأخ والزميل حبيب الله ولد أحمد، والذي أصبح فيما بعد عمود الجريدة الفقري، خاصة فيما يتعلق بالمقابلات التي يجريها مع الشخصيات الوهمية التي يمثل كل منها مجالا معينا، كالفنانة "طنطانة"، واللاعب" اكليفط"، والآنسة "فظمة"، والسياسي المخضرم "بوغريس"... وغيرهم من الشخصيات التي كشفت اختلالات كبيرة وكثيرة في المجالات التي تحدثت عنها بأسلوب ساخر وساحر ومميز.
كان حبيب الله إضافة نوعية للجريدة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس. 
ولم يلبث الطاقم الإداري والتحريري أن استقطب المدير الحالي للجريدة، أخي وخليلي التاه ولد أحمد، ثم أخي وتوأم روحي، المرحوم الحاج ولد الشيخ عبد القادر الرباني، قبل أن يتعزز الطاقم الفني بزميلي سيدي محمد ولد أبه وأخي الأصغر حبيب ولد أمينو. 
ومع مطلع العام 1995، وتحديدا في العدد السادس من الجريدة، وباقتراح من رئيس التحرير عبد الله ولد اتفاغ المختار وتزكية من بقية أفراد الطاقم، تم تكليفي برئاسة التحرير، حيث تفرغ سلفي اتفاغ المختار لمهامه في الصحافة المستقلة الجادة التي كان أصغر أفراد جيلها المؤسس.
واصلت بسمة أشطاري الإبحار في بحر الدموع الملغوم بكبت الحريات، ونهب الثروات، وتزوير الانتخابات، وباقي المٱسي والمشكلات. 
ورغم أن الجريدة استطاعت بسخريتها العميقة أن تتحايل على المادة11، إلا أن العدد 15 وقع في شراك تلك المادة المشؤومة بسبب تناوله لموضوع تغيير كتاب التاريخ للصف الخامس ابتدائي، وتقديم العدد اقتراحات ساخرة بمضمون الكتاب الجديد، وهو ذات المصير الذي لاقاه العدد 60.
ورغم العوائق والعراقيل، واصلت جريدة "أشطاري" الإبحار، وفي كل مرة تستقطب قامات جديدة، كالأخوين العزيزين منير ولد إخليه وأحمد ولد البو، وهذا الأخير أضاف لإبداعاته بلغة "اژريگه" إبداعات أخرى باللغة الفرنسية، حيث تولى تحرير وإعداد النسخة الفرنسية من الجريدة، وكذلك انضم للفريق الرسام الكاريكاتيري المبدع عبدول با.
مضت عجلة الزمن وتفرق الزملاء في دروب الحياة المختلفة، فمنهم رسخت أقدامه في "أشطاري" وظل وفيا لها، ومنهم من جرفته الصحافة الجادة لتنقله أمواجها المتلاطمة من محطة لأخرى، ومنهم من قفز من سفينة الإعلام إلى شاطئ آخر في منكب قصي من الوطن أو خارجه. 
لقد حفرت تجربة "أشطاري" في ذاكرتي بئرا عميقة لو علم بها المنقبون عن الذهب لاستجلبوا عدتهم وعتادهم، ولعاثوا في رأسي فسادا كبيرا، لكنهم لن يجدوا غير الإعجاب بتلك المرحلة، والتقدير لكل الزملاء.

*- رئيس تحرير سابق لجريدة "أشطاري" الساخرة