
التفاهمات والاتفاقات التي جرى التوصل اليها يوم الثلاثاء الماضي اثناء الجولة الخامسة من المفاوضات السورية الاسرائيلية التي انعقدت في باريس برعاية توم برّاك المبعوث الأمريكي تتجاوز مسألة التطبيع، وتبدو أخطر بكثير من اتفاقات “سلام ابراهام”، لانها لم تكن مفاوضات، وانما املاءات من الطرف الإسرائيلي على الوفد السوري الذي ترأسه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، وبمشاركة حسين السلامة رئيس جهاز المخابرات العامة، وأقتصر الوفد الإسرائيلي على مسؤولين هامشيين في جهاز المخابرات، في احتقار واضح سواء للاجتماع او للوفد السوري المقابل.
أخطر ما تمخض عنه هذا اللقاء هو تشكيل “آلية التنسيق المشتركة” تعمل كخلية اتصال أمني واستخباري تكون بمثابة غرفة “موك” جديدة برعاية أمريكية يكون مقرها في العاصمة الأردنية عمان.
والاهم من ذلك هو موافقة قيادة سورية الجديدة على فتح “مكتب اتصال”، أي “سفارة” لدولة الاحتلال في قلب العاصمة دمشق، ودون حصول السلطات السورية على أي شيء في المقابل، باستثناء الرضا الأمريكي والقاعدة الجديدة “الاقتصاد مقابل الأمن”، أي تتحول المخابرات السورية الى “دائرة”، او مركز تجسس، تقدم المعلومات المطلوبة للجانب الإسرائيلي، وربما ما هو أكثر.
***
لا ذكر مطلقا للانسحاب الإسرائيلي من هضبة الجولان او جبل الشيخ، او الجنوب السوري المحتل، وما يؤكد هذه الفرضية، توغل قوات الاحتلال الإسرائيلي اليوم الخميس في ريف القنيطرة، وتدميرها منشآت مدنية من بينها مشفى الجولان القديم، ورفع العلم الإسرائيلي على منطقة “تل احمر” في ريف المدينة (القنيطرة)، وكأن هذا الاتفاق والتنازل السوري الرسمي الكبير لم يتم.
واللافت ان السلطات التركية كانت الوحيدة تقريبا التي رحبت بهذا الاتفاق وأيدته باعتباره خطوة مهمة على طريق السلام رغم “الفيتو” المزدوج الذي تضعه حكومة الاحتلال عليها، الأول: منع أي تواجد عسكري تركي داخل سورية، وآخر في قطاع غزة، فهل هناك استسلام وانبطاح أسوأ من هذا، ومن دولة إقليمية عظمى لعبت دورا كبيرا في إسقاط النظام القديم والإتيان بالجديد على ظهر دباباتها.
لم يكن من قبيل الصدفة ان يتزامن هذا الاتفاق التطبيعي الذي يحّول سورية الى قاعدة استخبارات إسرائيلية، وبضغط امريكي، مع تصاعد الصدامات العسكرية لليوم الخامس في مدينة حلب بين الحيش السوري وقوات سورية الديمقراطية (قسد)، ونزوح الآلاف من أهلها الى المناطق المجاورة هربا من الموت؟
السؤال الذي تتجنب حكومة دمشق التطرق اليه هو: من الذي أسس قوات سورية الديمقراطية (قسد)، ومن الذي سلحها، ومن الذي يدعمها ماليا، ويحميها عسكريا، وجيشها في شمال شرق سورية، أليست الولايات المتحدة الامريكية، فلماذا لا توقف امريكا هذه الصدامات احتراما للرئيس السوري الجديد وحكومته، وإظهار حسن النوايا تجاههما، وحقن دماء السوريين؟
***
ما يمكن استنتاجه من كل ما تقدم ان التطبيع والتعاون الاستخباري يسير بخطى متسارعة بين دولة الاحتلال وسورية الجديدة في تواز مع عملية التفكيك والتقسيم، وإخراج هذا البلد الأصيل من هويته وإرثه وتاريخه العربي والإسلامي المجيد، ولا نستبعد ان يكون أبرز مهام هذا التنسيق الاستخباري والأمني التدخل عسكريا في لبنان، والعراق، وربما ايران، لإعلان الحرب ضد المقاومة، وقتال الجيش السوري تحت الراية الإسرائيلية الامريكية.
المؤسف، بل المؤلم، اننا لم نسمع او نقرأ بيانا واحدا من القوى الإسلامية التقليدية، ناهيك عن الحكومات العربية، يدين هذا التطبيع، والتنسيق الأمني بين سورية الجديدة ودولة الاحتلال، وهي التي كانت الأكثر شراسة في محاربة حكومات الدول التي وقعت اتفاقات “سلام ابراهام” وما قبلها، والشيء نفسه يقال عن معظم، ان لم يكن كل، المحطات الفضائية العربية.
هذه ليست سورية التي نعرفها وتاريخها العربي والإسلامي المشرف، ولا نعتقد ان هذا “الانحراف” سيستمر ويطول.. والأيام بيننا.
عبد الباري عطوان
رأي اليوم
.gif)





.gif)