
في موريتانيا، حيث يمتد التاريخ السياسي إلى مزيج من التجارب الوطنية العميقة والمراحل الانتقالية المتعاقبة، لا يُقرأ الحديث المبكر عن الرئاسيات المقبلة كحدث عابر أو سباق على المناصب، بل كمرآة تعكس حالة الاستقرار التي نجحت الدولة في تحقيقها خلال السنوات الأخيرة. فالنقاش حول المستقبل السياسي، مهما بدا مبكرًا، يعكس وعيًا جماعيًا بأهمية إدارة المرحلة الراهنة، وأن أي نقاش سياسي يجب أن ينسجم مع أولويات الدولة ويخدم المواطن قبل أي اعتبار آخر.
فالحكومة اليوم منشغلة بملفات حيوية تؤثر مباشرة في حياة المواطن اليومية: تثبيت برامج التنمية، تعزيز البنية الاقتصادية والاجتماعية، ترسيخ موقع موريتانيا في محيط إقليمي معقد، وضمان الأمن الوطني في ظل تحديات جديدة ومتغيرة. وفي هذا السياق، يصبح من الطبيعي أن تدعو الدولة إلى ضبط توقيت النقاشات الانتخابية، ليس رفضًا للحوار أو التأجيل، بل حفاظًا على سير العمل التنفيذي وضمانًا لتركيز الجهود على ما هو أهم في اللحظة الحالية.
ومن هذا المنطلق، يبرز دور قيادات الدولة الوطنية، بما فيها مؤسسات السيادة، في تأمين مناخ سياسي هادئ يسمح بإدارة النقاش العام دون إفراط أو تهويل. فالقيادات التي تجمع بين المهنية والانضباط، والتي تعمل بصمت للحفاظ على استقرار الدولة، تلعب دورًا محوريًا في تمكين الحكومة من أداء مهامها دون تشتيت ولضمان أن يبقى النقاش السياسي متوازنًا ومسؤولًا وهو ما جعل الفضاء السياسي قادرًا على التفكير في المستقبل قبل أن يتحول النقاش إلى صراع مفتوح.
إن الحديث عن الرئاسيات المقبلة، حين يُطرح قبل أوانه، يمكن أن يكون فرصة لتقييم مسار الدولة، ومعرفة ما تحقق من إنجازات، والتأمل في أطر تطويرها. لكن هذا الحديث يحتاج إلى ضبط، حتى لا يتحول إلى مجال للاصطفافات المبكرة أو التنافس على مواقع قبل حسم الظروف الدستورية والسياسية. فالحكومة وهي تتحمل مسؤولية الحاضر، لا يمكنها أن تُدار بعين على الحملة الانتخابية وأخرى على الإنجاز، بل بعقل الدولة الذي يوازن بين الأداء الفعلي واستشراف المستقبل.
وهنا تكمن القوة الحقيقية للنظام السياسي في موريتانيا: القدرة على إدارة الزمن السياسي بوعي، بحيث يظل النقاش مفتوحًا ولكن مسؤولًا، ويكون الانتقال نحو أي استحقاق سياسي ثمرة لمسار منضبط، لا نتيجة لضغط الخطاب أو المباريات المبكرة على النفوذ. وكلما امتلكت الدولة هذه القدرة على ضبط النقاش، كلما حافظت على استقرارها ومصداقيتها، وضمنت أن يبقى المواطن محور الاهتمام، لا المناكفات أو المناورات السياسية.
وفي نهاية المطاف، فإن الرئاسيات المقبلة، حين يحين وقتها، ستكون فرصة لتأكيد هذا الاستقرار، وتجديد الثقة بين المواطن والدولة، وتعميق التماسك الوطني الذي تمكنت الدولة من بنائه. وحين يكون هذا الحوار السياسي محاطًا بقيادات وطنية تعرف متى تتقدم ومتى تصمت، ويضع المواطن ورفاهه في القلب، يصبح المستقبل أكثر وضوحًا، والاستقرار أكثر ثباتًا، وتظل الحكومة في مركز المسؤولية عن كل ما يُنجز اليوم وغدًا..
■محمد ولد حامد
باحث في الشؤون السياسية و العلاقات الدولية
.gif)





.gif)