إعلان

تابعنا على فيسبوك

جمعتهما الضرائب والسجن وفرقتهما السلطة.. قصة الصراع بين فاي وسونكو رأسي الحكم بالسنغال

أربعاء, 27/05/2026 - 15:53

في بيت الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي، كثير مما يذكره بصديقه وخصمه الحالي رئيس الوزراء السابق عثمان سونكو، وخصوصا طفله عثمان الذي يحمل اسم الوزير الأول السنغالي المقال، ويعبر في رمزية اجتماعية بالغة عن الصداقة التي امتدت 12 عاما بين الرجلين، ثم انتهت بقطيعة سياسية بعد قرابة عام من الصراع على النفوذ في بلد لا يعرف ثنائية السلطة.

في 22 مايو 2026 أعلن ديوماي فاي إقالة سونكو من منصبه، وذلك بعد أسبوعين على الأقل من تصريحات للرئيس يؤكد فيها أنه الحاكم الفعلي للبلاد، وبإمكانه إقالة وزيره الأول متى ظهر له ذلك.

ولم تكن تلك الرسالة لتذهب سدى حيث بدأت زوجة سونكو -وفقا لمصادر إعلامية سنغالية- طي الحقائب، وتجهيز الأمتعة استعدادا لمغادرة إقامة الوزير الأول عند الاقتضاء، وبالفعل، فقد بدأ نقل الأمتعة الجاهزة عند إعلان خبر الإقالة، لأن النهاية كانت معلومة للطرفين.

تجمع بين الرجلين علاقات دراسية ومهنية وسياسية وفكرية، حيث تخرجا معا في المدرسة الوطنية للإدارة في السنغال، كما عملا أيضا معا في مديرية الضرائب، ومنها انطلق وعيهما السياسي في محاربة الفساد، وأسسا معا حزب "الوطنيون من أجل العمل والأخلاق والأخوة" (باستيف) عام 2014.

قبل ذلك كان سونكو -حينما أسس نقابة عمال الضرائب- حريصا على أن تضم رفاقه المقربين، وكان من بينهم ديوماي فاي، الشاب الأسود ذو الملامح الهادئة والصوت الخفيض، عكس زميله الطويل القامة والجهير الصوت وذي الملامح العنادية البارزة.

ورغم أن فاي لم يكن من الرعيل المؤسس فإنه سرعان ما التحق وتسنّم سريعا مناصب قيادية مع مستوى عال من الولاء للمؤسس سونكو صاحب الصوت الأكثر إثارة للصخب ضد نظام الرئيس السابق ماكي صال، وخلال هذه الفترة كانت شعارات وهتافات "ديوماي موي سونكو" (أي أن ديوماي هو سونكو) تهز شوارع السنغال، في تعبير عن التحالف الوثيق الذي جمع الرجلين وقدّمهما على أنهما وجه سياسي واحد.

ولأن العمل السياسي المعارض في أفريقيا يؤدي في الغالب إلى السجن، فقد جمعتهما أيضا زنازين السجن سنة 2023، قبل أن تنفرج لديوماي فاي طاقة أمل مفاجئة نحو الرئاسة، عندما حظر القضاء السنغالي ترشيح سونكو، لتكون الرئاسة من نصيب فاي.

وإلى جانب ذلك يشترك الطرفان إلى حد كبير في التوجه الفكري، حيث يعبران عن المزيج السنغالي الجديد بين الفرنكفونية الثقافية والعداء الفكري لفرنسا، وبين علمانية الحكم وليبرالية السلطة والروح الإسلامية البارزة في الخطاب وفي كثير من معالم التوجهات.

في يونيو 2025 بدأت أولى مظاهر التصدع بين الرجلين وذلك في خلافات متعددة حول إدارة الحزب، والإصلاحات والأولويات، خصوصا أن الرجلين اللذين يتقاسمان نفس المقود، لم يتقاسما أيضا السرعة نفسها، وهو ما جعل سونكو يتهم رئيسه فاي بعدم دعمه في مواجهة بعض الملفات الكبرى، مصرحا بوجود أزمة داخل السلطة.

أما الرئيس فلم يُخف انتقاده لمحاولة ربط حزب باستيف بشخص واحد، ليكون رد سونكو بعد ذلك قريبا من الصراحة، باستعداده لإعادة حزبه للمعارضة إذا لم "ينسجم" الرئيس فاي مع توجهاته.

وتتباين رؤى ومواقف الرجلين على وجه الخصوص بشأن العلاقة مع المستعمر السابق، وإدارة ملفات الغاز، والعلاقة مع الجوار، وتنفيذ يوميات السلطة، وهو ما يعتبره الوزير الأول الجديد في السنغال تباينا في الأسلوب وليس في المشروع.

مع أبريل المنصرم بدت المرآة المشتركة بين الرجلين تتحطم بشكل متسارع، إذ أُقيل عدد من النشطاء في حزب باستيف، ومن بينهم الناطق باسم الرئاسة حسينو لي.

وأخيرا جاء الطلاق البائن بين الرجلين، وتحولا من الثنائي الوديع، إلى ندّين متصارعين في مواجهة يرجح البعض أن تكون مفتوحة، خصوصا مع تطورات اليومين الأخيرين التي حملت سونكو إلى قيادة المؤسسة التشريعية وتعيين رئيس وزراء جديد بديلا عنه.

ومع وصول سونكو إلى رئاسة البرلمان -أمس الثلاثاء- يبدو الحكم الآن في السنغال في مواجهة بين خصمين كل منهما عارف بالآخر، بنقاط ضعفه، وعناصر قوته؛ وإن بدا أن كفة رئيس البرلمان الجديد أقوى سياسيا، حيث صرح بأن حزبه يملك أغلبية الموالاة والمعارضة.
ومن المرجح أن سونكو الذي يشعر -وفقا لمراقبين- بمرارة وصول فاي إلى الحكم بدلا منه، وربما أيضا بمرارة إخراجه من "السراي الحكومي" لن يكون مرنا في التعاطي مع حكومة فاي، وهو ما يعني دخول البلاد في أزمة حكم جديدة.
ويبقى رهان فاي الآن معتمدا بدرجة كبيرة على قدرته على تفكيك جبهة باستيف وإقامة تحالف جديد قادر على موازنة القوة البرلمانية الضاربة التي بين يدي خصمه، ومع ذلك فإن الأوراق التي يملكها محدودة، وتقلصت قدرته على المناورة بشكل أكثر بعد خروج سونكو من الحكومة.
كما يبقى خيار "حل البرلمان" من بين الأوراق القليلة التي يمكن لفاي التحرك بها، ولكن هذا الخيار على جذريته وصعوبته لن يكون متاحا دستوريا له قبل نوفمبر القادم، مما يقطع بقدوم خريف سياسي ساخن على شواطئ المحيط الأطلسي.

المصدر: الجزيرة نت