إعلان

تابعنا على فيسبوك

وادي المرايا (الحلقة 44): مزاد الوجوه في ظل العرش المستعار

أحد, 31/05/2026 - 15:42

​في عمق القاعة الفارهة داخل توشكاون، وتحت سقف "العرش المستعار"، وقف دلال البلاط يرفع مطرقته الخشبية معلناً بدء المزاد الأغرب في تاريخ أيناتيروم: مزاد شراء الولاءات وبيع الذمم علناً أمام سكان وادي المرايا.
​تعالت الصيحات في القاعة واحتدم التنافس، وضرب الدلال مطرقته بقوة صارخاً بصوتٍ جهوري قائلاً: "الشرق، والغرب، وبلاد الكوش! الوادي بأكمله معروض الليلة في سوق النخاسة السياسي! الولاء للعرش المؤقت... من يدفعه ثمنه تقرباً وتزلفاً للتزكية؟ من يشتري صمت النخبة في هذا المنعطف؟".
​كانت الوجوه تتلفت، والهمسات تتعالى بين الوجهاء، وكل منهم يجهز عرضه لحجز مكانه في الخارطة الجديدة. وقف أحد كبار الأعيان صارخاً وهو يرمي بصرة مالية: "أشري صمت الحارة الشرقية وولاء أعيانها بسبعين صرة من الأوقيات!". ضحك دلال البلاط بسخرية وهو يلوح بمطرقته قائلاً: "بلادٌ تُباع ومستقبلٌ يُشترى, السعر زهيد يا سيد القوم، من يرفع السقف ويدفع ثمن العرش المستعار؟".
​وفي غمرة المزايدات، دخلت المقايضات الساخرة على خط الحراج، حيث صاح أحد الوجهاء بصوت مبحوح: "أقايض قرية 'المنبع الرعوية' بكامل نخلها وآبارها ومائة قطيع من رؤوس الأكباش، مقابل ثلاثة مقاعد في مجلس أعيان 'بلاد الكوش'!". ليرد عليه وجيهٌ آخر يلوح بيده مستهزئاً: "بل أزيدك على 'المنبع الرعوية' وقطعانها خمسين أوقية قليلة، وأقايضها لتمنحني نفوذاً في البلدة المجاورة مع حق التنقيب في تلال الغرب وثروات ايناتيروم!". فتعالت الضحكات الساخرة في القاعة وكأنهم في سوق للمواشي وليس في مجلس لإدارة شؤون البلاد.
​صاح وجيه آخر محاولاً استعادة السيطرة وسط هذه الفوضى: "إن كان هذا ثمن الحارة الشرقية وتلك المقايضات الرخيصة، فما هو ثمن الولاء في بلاد الكوش؟ ومن يجرؤ على شراء ذمم أهل الغرب وأعيان الشرق في هذا المزاد؟". تداخلت الأصوات وارتفعت المزايدات بالأوقيات لتشمل كافة أطراف الوادي، بينما كان صاحب العرش المستعار يراقب بوجل كيف تتوزع خارطة النفوذ وتُباع الأقاليم علناً، خصوصاً مع تلك الفوارق الشاسعة في ايناتيروم؛ حيث الرقعة غير معتدلة، فالتركيز كله منصب على مناطق التنقيب والنفط والخيرات، بينما المناطق الرعوية والمواد الأولية مهملة تماماً ومتروكة للنسيان.
​وفجأة، امتدت ظلال توشكاون المرعبة لتخيم على أرجاء المكان، وتقدم كبير أعيان بلاد الكوش بخطوات واثقة نحو طاولة المزاد، ورمى بعمامته أرضاً بصوت جهوري هز الأركان:
"إن كان الغرب يشتري المناصب، والشرق يساوم على الصمت، فإن بلاد الكوش لا تباع في حراج الوجوه! نحن هنا لنأخذ نصيبنا من كعكة السلطة رغماً عن العرش ومستشاريه!"
​وفي تلك اللحظة الحرجة، تقدم رجل غامض من زاوية القاعة المظلمة، يرتدي بذلة داكنة بلون تراب الأرض خالية من البهرج، ورمى على طاولة المزاد خريطة قديمة للوادي مرسومة بدم جاف، وقال بصوت خفيض وعميق امتزجت فيه أسرار توشكاون ونبوءات ايناتيروم: "أشتري ذممكم جميعاً بأمنكم... فالعاصفة على الأبواب، وصاحب العرش الحقيقي قد عاد!".
​انفجر الموقف تماماً؛ وتشابكت الأيدي وسُحبت الخناجر المذهبة تحت سقف القاعة، بينما وقف صاحب العرش المستعار يرتجف رعباً بعد أن انفرط عقد الولاءات تماماً وسط هذا الحريق المحتدم. وبينما كانت المطارق تضرب دون جدوى، انطفأت مشاعل القاعة فجأة ليعم الظلام الدامس وسكون مرعب يلف مفاهيم وأسرار وادي المرايا.
​بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى