إعلان

تابعنا على فيسبوك

حول المؤتمر الصحفي/ الهيبة ولد الشيخ سيداتي

سبت, 25/07/2026 - 20:25

حضرت البارحة المؤتمر الصحفي لرئيس الجمهورية ضمن العشرات من المدعوين، وككل المؤتمرات الصحفية التي ينظمها الرؤساء شغل المؤتمر الصحفي اهتمام كل الناس، وتابعه مئات الآلاف عبر مختلف الصفحات، ورغم أن الصحفي مهمته تغطية الخبر، لا أن يكون هو الخبر ويشغل الناس، وهي عادتي في التعليق إلا أني سأتجاوز هذا لأسجل بعض الملاحظات التي أراها إيجابية أو سلبية.

ملاحظتي الأولى: هي الخلط الذي حصل – وكثيرا ما يحصل– لدى كثيرين في التمييز بين اللقاء الصحفي والمؤتمر الصحفي والمقابلة الصحفية. 
فالأول، هو أن يكون هناك لقاء مع عدد محدود من الصحفيين، يمنحون الوقت لطرح ما يرونه من أسئلة؛ والثاني، أي المؤتمر الصحفي، توجه الدعوة فيه للجميع، ويطرح الصحفيون الذين يختارهم مدير الحوار، بناء على طلبهم، أسئلتهم في دورة واحدة حسب الوقت المحدد للمؤتمر الصحفي؛ والمقابلة الصحفية، هي مواجهة مع صحفي واحد للإجابة على مجموعة من الأسئلة ضمن حول موضوع واحد، أو مواضيع متعددة.

ومن دون تقويم أي من النمطين الأولين أجدى أو أكثر فائدة، إلا أنهما متبعان، وتقويم أي منهما بمنطق الآخر، أو وفق قواعده وضوابطه، خطأ مهني ومنهجي.

استفاد المؤتمر الصحفي من تحضير لا أدري هل هو مقصود ومخطط له، أم عفوي، فإعلان توقيته قبل عشرة أيام من تاريخ تنظميه، مكن منظميه من معرفة دقيقة لما يمكن طرحه من أسئلة، فقد امتلأت صفحات هذا الفضاء بجميع الأسئلة التي طرحت، والتي لم تطرح. ويفترض أن يكون ذلك ساعد الرئيس في التحضير الجيد للمؤتمر الصحفي، والتحسب لكل الأسئلة التي يحتمل أن تطرح.
  
غطت إجابات الرئيس مختلف الأسئلة التي طرحت، بل وتتبع الأسئلة المركبة، والمتعددة، والفرعية، ولم يستعجل عن الإجابة على مختلف مكوناتها، لم يخف انزعاجه ممن استعجلوا خلافته بعد أربعة أشهر من مأموريته الثانية في رسالة واضحة إلى كل من يتحدث عن 2029 من اغلبيته وداعميه وهي رسالة مزدوجة للمترشحين المحتملين ولداعميهم وهي استمرار لرسالة وجهها خلال زيارته للحوض (حديث طموحكم مزعج ويشوش على تنفيذ برنامجي ويضركمم ولا ينفعكم لأن الوقت لم يحن) حضرت أرقام مهمة في أجوبته، منها حديثه عن تراجع نسبة المديونية في عهده من 91% إلى 40%، أي أزيد من 50%، وعن تراجع صفقات التراضي بنسب معتبرة في عددها ومبالغها، وزيادة الموارد الذاتية للدلة مما سمح بتنفيذ عشرات المشاريع الكبرى من خزينة الدولة،كما استعرض ونوه بجهوده في مكافحة الفساد سواء على مستوى الموارد أو المشاريع أو النصوص أو الهيئات والمأسسة، وموضحا أنه لا حماية إلا "للمبلغين عن الفساد"، منبها إلى خطورة الفساد، وأنه آفة حقيقية، متعددة الأوجه والمظاهر، ومواجهتها تتطلب تضافر جهود الجميع، وتعاون الجميع.

تناول في حديثه الذي استمر أكثر من ثلاث ساعات ونصف ملف الغاز، والموارد الوطنية بشكل عام، واستعرض أرقاما مهمة حولها، وتعهد باحترام الدستور، وعدم الخروج على مقتضياته، أو على الإرادة الشعبية، وكشف للرأي العام أن همه الأول وتركيزه هو تنفيذ برنامجه على أكمل وجه، والوفاء للشعب بما التزم له به، ونال ثقته على أساسه، واستعرض رؤيته في مجال الإرث الإنساني، وتصوره للحل، وعمله على ذلك، وتفاؤله بأن يتم وفق خيارات ترضي الجميع.

كانت سعة صدره، وتحمله لكل الأسئلة وأريحيته في التعامل مع  مختلف المواضيع ملامح بارزة للقاء لاحظها كل المتابعين، وكانت حاضرة في تعاطيه مع كل الأسئلة بتجرد وموضوعية، دون أن تشوبها أحكام مسبقة أو مواقف من الأشخاص. وفي حين يعتبر كثير من السياسيين في هذه البلاد، بكل أسف، الصحفي الذي يقوم بمهمته في طرح وجهة نظر الغائب خصما، فقد نجح الرئيس غزواني البارحة في تفادي هذا الفخ.

كشف الرئيس في مؤتمره الصحفي عن جانب من رؤيته فيما يتعلق بضرورة الثقة في المؤسسات، والعمل على نهوضها بأدوارها، وتطويرها، بدل نزع الثقة منها، أو إقامة مؤسسات بديلة عنها أو موازية لها، أو على أنقاضها، وقال بطريقته الخاصة إنه يعتبر البناء التراكمي للمؤسسات أولى من البحث عن تسجيل مكاسب سياسية أو حضور شخصي، ومن أمثلة ذلك حديثه عن ضرورة الفصل بين السلطات، والدور المنتظر من مؤسسات الرقابة والتفتيش، وترجيحه لخيار توسعة جامعة نواكشوط برقم يقارب طاقتها الاستيعابية الأصلية بدل بناء جامعة جديدة، وكذا توسعة مركز أمراض القلب بدل بناء مركز جديد، وتبنى قرارات الحكومة، ونوه بعلمها ووصفه بالجبار ودعاها للمزيد.

كان حضور الصحفيين متنوعا بتنوع المشهد الإعلامي، وبتنوع مكونات البلد؛ وبهذا التنوع تنوعت الأسئلة، وكانت في معظمها واردة وموضوعية، وتتطلب إجابة يبحث عنها الرأي العام.

يسجل على المؤتمر الصحفي دعوة هذا العدد الكبير من الصحفيين، والذين من المستحيل أن يتمكنوا كلهم من تقديم أسئلة خلال المؤتمر الصحفي ما لم يستمر نحو 10 ساعات على الأقل. كما تسجل عليه البداية المتأخرة نسبيا حيث لم ينطلق إلا قبل منتصف الليل بقليل، وبدا التعب يظهر على الرئيس مع تقدم الوقت، كما بدأ التثاؤب في جوانب القاعة التي تضم الصحفيين والمدونين، وأعتقد أن تأخير الانطلاقة كان من أسباب تقليص عدد الأسئلة، وحرمان بعض الزملاء من فرصة تقديم أسئلتهم والحصول على أجوبة لها.

ظهر الرئيس وحيدا على المنصة دون أي من مساعديه، باستثناء مدير التشريفات الذي واكب لحظاته الأولى ثم ما لبث أن انسحب، فيما اكتشفنا بعد نهاية المؤتمر الصحفي أن الوزير مدير الديوان الناني ولد اشروقة، ومندوب "تآزر" سيدي ولد مولاي الزين، ووزير الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان الحسين ولد مدو كانوا يتابعون المؤتمر الصحفي من قاعة جنب قاعة المؤتمر، وكان الأولان بزي غير رسمي، فيما كان الأخير بكامل زيه الرسمي، ويحمل ملفات في يده.

وبالمحصلة، أرى أن غزواني نجح في خرجته البارحة، وتوقعي أنها ستقوده لخرجات إعلامية متكررة مستقبلا.