إعلان

تابعنا على فيسبوك

ربيع الإصلاح الإداري في موريتانيا: حين تفرض الدولة هيبتها ويستعيد الميدان ألقه/ الياس محمد

جمعة, 02/10/2026 - 16:18

شهد المشهد الإداري والسياسي في موريتانيا في الآونة الأخيرة مخاضًا هادئًا لكنه عميق، عنوانه الأبرز هو القطيعة مع ممارسات الارتجال، والعبور نحو دولة المؤسسات والصرامة القانونية. لم تعد الإصلاحات مجرد شعارات روتينية تطلق من مكاتب الوزراء، بل تحولت إلى قرارات جريئة وميدانية أعادت ترتيب أولويات الإدارة ووضعت النقاط على الحروف في ملفات ظلت لسنوات طويلة رهينة الحسابات السياسية والترضيات القبلية.

قطاع التنمية الحيوانية وبصمة سيدي أحمد ولد محمد: عندما تقترن الكفاءة بالديناميكية المؤسسية

وفي هذا السياق الإصلاحي المتكامل، يبرز اسم سيدي أحمد ولد محمد على رأس وزارة التنمية الحيوانية، كنموذج للمسؤول الذي أينما حلّ ترك بصمة واضحة ومنهجية صارمة. الرجل الذي خاض تجارب عديدة في حقائب وزارية حساسة (من التجارة والمياه إلى الإسكان)، نقل إلى قطاع الثروة الحيوانية -العمود الفقري للاقتصاد الريفي- روح الصرامة الإدارية والديناميكية الميدانية. فقد سعت الوزارة تحت إشرافه إلى تنظيم القطاع، وضبط مساراته، والتعاطي بجدية مع التحديات المرتبطة بالخدمات الأساسية للمنمين، متجاوزة الحلول الإسعافية الموسمية نحو رؤية استراتيجية تؤسس لتنمية حيوانية حقيقية تتناسب مع مكانة الثروة في وجدان واقتصاد البلد.

وزارة الصحة: العودة من "أكراج" المكاتب إلى نبض الميدان

يُعد قرار وزارة الصحة القاضي بإخلاء مصالحها وإداراتها ومشاريعها من الأطباء والفنيين والممرضين والقابلات، وإعادتهم فورًا إلى الميدان، أحد أجرأ القرارات الإدارية. لطالما عانت المنظومة الصحية من تكدس الكوادر الطبية في العاصمة ومكاتب الإدارات المركزية (في ممارسات عبّر عنها الشارع بسخرية فرقعة الأصابع)، بينما تعاني المستشفيات والنقاط الصحية الريفية من خصاص مدقع. هذه الخطوة الحازمة وضعت الكفاءات الطبية حيث يجب أن تكون: في خدمة المواطن المريض وجهاً لوجه، محطمةً بذلك جدار البيروقراطية القاتلة.

. وزارة التربية: محاربة "التقري العشوائي" ومدارس الديكور السياسي

وعلى ذات الخطى، جاء قرار وزارة التربية بإغلاق المدارس التي لا تتوفر على المعايير البنيوية والتربوية والعددية، ليضع حدًا لظاهرة إنشاء المدارس لأغراض سياسية ومجاملات قبلية. فكثيرًا ما استغل وجيه أو سياسي نفوذه لاستصدار قرار بإنشاء مدرسة أو نقطة صحية قرب خيامه فقط لتأكيد نفوذه الرمزي أو منافسة خصومه، مما يشكل إهداراً فادحاً للمال العام وتشجيعاً للتقري العشوائي. إن إصرار الوزارة على توجيه الطواقم والوسائل لخدمة مدارس حقيقية يستفيد منها التلميذ فعلاً، يعد انتصارًا لمنطق الدولة على منطق "تعدال الهم" والمحاصصة القبلية.

. وزارة الإسكان: استقرار تنموي وصرامة في معالجة الملفات الملحة

أما قطاع الإسكان، فقد نجح في طוوي صفحة الفوضى اليومية والأزمات المتراكمة بفضل إدارة هادئة ومسؤولة، قادتها الوزارة نحو مقاربة عقلانية تجاوزت بها الهزات السابقة، لتثبت أن الإدارة الناجحة لا تحتاج إلى صخب إعلامي، بل إلى استراتيجية دقيقة ومتابعة ميدانية لتفكيك المشاكل الأكثر إلحاحاً للمواطنين.

. تجفيف منابع "الابتزاز الرقمي" وتطهير المشهد البرلماني

على الجانب الآخر، لم تقتصر الإصلاحات على الإدارات الخدمية، بل امتدت لتطال منظومة الأخلاق العامة والعمل السياسي؛ حيث أثمر فتح ملف "الابتزاز" عن نتائج ملموسة تمثلت في تراجع ظاهرة التسريبات المبتذلة، وتواري المتاجرين بالسمعة والصفقات المشبوهة، و"برود جلود" المسؤولين أمام إغراءات الفاسدين والمدونين المبتزين.

وتوجت الدولة هذه الصرخة بفرض هيبة القانون حين جرد المجلس الدستوري نائبين عن حزب "الصواب" من مقعديهما واستدعاء بديليهما، إثر أحكام قضائية نهائية. إن هذا القرار التاريخي شكل صفعة قوية لخطابات الكراهية، والشحن البغيض، وسلاطة اللسان تحت قبة البرلمان. ليؤكد المشهد اليوم أن البرلمان الموريتاني مقبل على مرحلة تنقية حقيقية، تُعلى من شأن العمل التشريعي الرصين وتلفظ العبث اللفظي والتحريض.

خلاصة القول؛ إن ما يجري اليوم ليس مجرد تدوير لتروس البيروقراطية، بل هو إعادة تأسيس هادئة لمفهوم "الدولة القوية"؛ دولة تنصف الميدان، وتغلق أبواب العبث السياسي، وتحمي القوانين، وتضع الرجل المناسب في المكان المناسب لخدمة مصلحة الوطن العليا.