إعلان

تابعنا على فيسبوك

الوحدة الوطنية لا تُبنى بالمحاصصة، بل بالكفاءة والإنصاف

أحد, 18/10/2026 - 13:03

إن ربط الوحدة الوطنية واللحمة الاجتماعية بالمحاصصة في التعيينات والتوظيف، كما يذهب إلى ذلك بعض أبناء جلدتي من الحراطين، هو في تقديري تصور يحتاج إلى مراجعة جادة؛ فالوحدة الوطنية لا ينبغي أن تتحول إلى معادلة حسابية لتوزيع المناصب بين المكونات الاجتماعية، وإنما يجب أن تقوم على المواطنة والإنصاف وتكافؤ الفرص، وأن يكون معيار التعيين الأول والأخير هو الكفاءة والمؤهلات والاستحقاق.
إن المحاصصة على أساس الانتماء العرقي أو الاجتماعي ليست طريقًا مضمونًا لتحقيق العدالة، بل قد تتحول إلى مصدر جديد للخلاف والتنافس بين مكونات المجتمع، بما يهدد تماسك النسيج الاجتماعي ويؤثر سلبًا في الأمن والاستقرار والطمأنينة والسكينة العامة. ولذلك، فإنني أرفض المحاصصة في التعيينات جملة وتفصيلًا، وأؤمن بأن بناء الدولة لا يكون إلا بإسناد المسؤوليات إلى أصحاب الكفاءة والقدرة، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والانتماءات الفئوية.
وليس من المنطقي أن ننظر إلى تعيين غالبية من البيظان في بعض المواقع الوظيفية باعتباره أمرًا يستوجب التخوف أو الاعتراض في حد ذاته، ما دام ذلك قائمًا على المؤهلات والاستحقاق. فالعدالة لا تعني أن نفرض نسبًا متساوية في كل تعيين، وإنما تعني أن نتيح للجميع فرصًا عادلة، وأن نحتكم إلى معايير واضحة وشفافة، وأن نحارب الإقصاء والتمييز أينما وُجدا.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل الآثار التي خلفتها الفترات الماضية، حين كانت فرص التعليم والتكوين محدودة أمام شرائح واسعة من الحراطين، الأمر الذي انعكس على تراكم المؤهلات والخبرات لدى بعض الفئات. وهذه اختلالات تاريخية واجتماعية ينبغي الاعتراف بها ومعالجتها من خلال توسيع فرص التعليم والتكوين والتأهيل، وضمان تكافؤ الفرص، لا من خلال تحميل البيظان الموجودين اليوم مسؤولية جماعية عن كل ما حدث في الماضي، ولا من خلال تحويل التعيينات إلى صراع بين المكونات الاجتماعية.
إن معالجة آثار التفاوت التاريخي لا تتعارض مع اعتماد الكفاءة، بل تقتضي أن نعمل على تمكين الجميع من اكتسابها، حتى يصبح التنافس على أساس الاستحقاق ممكنًا وعادلًا. فالدولة مسؤولة عن توفير الفرص، وعن ضمان الشفافية، وعن التصدي لكل أشكال التمييز، دون أن تجعل الانتماء الاجتماعي بديلًا عن المؤهل والكفاءة.
وأقولها بوضوح: إن البيظان والحراطين سيظلون مكونين متداخلين تجمعهما روابط الدين واللغة والتاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة، وما يجمعهما أكبر بكثير مما قد يفرقهما. ولا ينبغي أن نسمح للخلاف حول المناصب أو التعيينات بأن يتحول إلى خلاف بين أبناء المجتمع الواحد، أو أن يصبح مدخلًا لتأجيج المشاعر وإثارة النعرات.
إن الرهان على الفرقة بين البيظان والحراطين رهان على إضعاف المجتمع وإشغاله بصراعات داخلية لا تخدم مستقبل أحد. فمستقبلنا المشترك يتطلب أن نغلب لغة العقل والحوار، وأن نرفض خطاب الكراهية والتحريض، وأن نؤمن بأن كرامة المواطن وحقوقه لا تتوقف على لونه أو شريحته أو قبيلته، وإنما على كونه مواطنًا له حقوق وعليه واجبات.

 لحبوس ولد سالم كاتب صحفي ومدون وحقوقي فاعل سياسي رئيس تيار المعتدلين الداعم لفخامة رئيس الجمهورية