مع غزواني

إعلان

تابعنا على فيسبوك

السودان ... نهاية دولة وضياع الإنسان/ د. رجائي حرب

سبت, 29/04/2023 - 06:32

إن الناظر لما يحصل في السودان العربي الشقيق ليعرف كمية العجز المهين الذي أصاب هذه الأمة، وكمية الذل الذي أصبح يعيش في النفوس ويعمق جراحاتنا يوماً بعد يوم

وما يجعلنا نشعر بالاحباط هو أنه ورغم أن شعوب هذه الأمة ما زالت حية وما زالت تدافع بكل شراسة عن مبادئها وقضاياها؛ إلا أنها تصدم بأنظمتها السياسية المكبلة بالاتفاقيات السرية المنافية لإرادة شعوبها مع أعدائنا لتوفير الدعم لها وتثبيتها في السلطة وحماية استمرارها في تنفيذ إرادة الغرب بقمع شعوبها ولجم هذه القوة البشرية الشابة الطامحة للعودة الى مجدها القديم

نحن لسنا بخير، ولن نكون بخير، ما دمنا نعيش هذا الخنوع وهذا الخضوع؛ ويوماً بعد يوم، نخسر بلداً عربياً، ونساهم بصمتنا وقبولنا لما يحدث تشريد أبناء أمتنا ودفعهم ليكونوا لاجئين يتوسلون على عتبات الدول الغربية التي أذاقتنا ويلات الاستعمار يوماً، ويستعطون على عتبات المنظمات الدولية التي تتمثل دور الحمل البريء وفيما بين أنيابها يكمن السم الزعاف

تائهون في بلدان العالم، والدموع تملأ عيونهم، وضنك السنين يثقل كواهلهم. يلعنون العروبة التي لم تصن شرفهم؛ ويعتبون على الإسلام الذي ما أغاثهم وما بقي منه إلا اسمه؛ ففقدوا بلدانهم وذكرياتهم وتوازنهم فأصبحوا بلا كيان.

فمن المعيب على هذه الأمة أن تبقى مكتوفة الأيدي ونحن نخسر كل يوم مقوم من مقومات نهضتنا؛ فقد صمتنا عندما ضاع العراق الكبير، وغرسنا رؤوسنا في طين الوهن عندما غرقت اليمن وسوريا وليبيا بدماء الجهل والعبث الخارجي، وها نحن اليوم نقف مكتوفي الأيدي والسودان الحبيب ذي القلب الأبيض يضيع من بين أيدينا 

وتستمر المؤامرة ونحن نشاهد ذبح بلدٍ عربي جديد على مذبح النخاسة والعمالة التي تفوح من أنفاس المتقاتلين الجهلة الذي يتكيء كل واحدٍ منهم على عدوٍ يتربص بهم الدوائر لينقض ويفتك بهم ويعيدهم إلى عصور الظلمة؛ والسودان العظيم هو الضحية؛ ... سودان الرجال الأبطال .... سودان الحمية والعروبة ... سودان القرآن وحفظته الذين بالآلاف ... سودان القلوب الطيبة والذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ( بإخوة بلال ) لكثرة ما يكنزون في قلوبهم من محبة لله ولرسوله

لقد بدأت المؤامرة ضد السودان من زمنٍ طويل؛ وها هم يسيرون في نفق مظلم ينذر بحدوث الأسوأ عندما يقوم المجتمع الدولي بإجلاء آلاف الأجانب كما حدث في رواندا قبل ثلاثين عاماً تجهيزاً لمذابح فضيعةٍ ستلي ذلك كله؛ ليأتي بعدها مصاصو الدماء وتجار الحروب فيضعوا أياديهم الملطخة بالدماء والخيانة والتآمر على كل خيراتها؛ وتعود سيناريوهات الخراب من جديد.
فلماذا يتم معاقبة السودان بهذه الفتن التي كقطع الليل المظلم والتي لن ينجو منها أحد؛ هل لأنها فهمت مؤامرات الغرب ضدها فتوجهت شرقاً إلى الصين وروسيا لحمايتها من طغيان الغرب المتسلط؟

ولماذا تقوم الطائرات الإسرائيلية بمهاجمتها زاعمةً وجود مخازن للسلاح تابعة لحركة حماس، وبتهمة تسهيل نقل السلاح الإيراني لحركة حماس عبر تخزينه في السودان، ورفض السودان إغلاق مكتب حماس في الخرطوم؟

ولماذا تدعم الولايات المتحدة الأمريكية الحركات الانفصالية في الجنوب والغرب عن طريق حلفائها في إفريقيا رداً على دعم السودان للإسلاميين؟

ولماذا يتم حرمان السودان من ثرواته النفطية بعدما دخل منذ العام 1999 نادي الدول المنتجة للنفط ووصل إنتاجه السنوي 27 مليار دولار ما مكنه من تجاوز أزمة الحصار الأمريكي؛ ثم يأتي الغرب ويدعم استمرار الحرب الأهلية، لتضطر الحكومة السودانية توقيع اتفاقية سلام مذعن مع الجنوب ويخسر ثلاث أرباع نفطه ويتسبب في حدوث أزمة في الاقتصاد السوداني المعتمد على الصادرات النفطية بنسبة كبيرة؟

ولماذا تضطر السودان للإذعان لتوصيات صندوق النقد الدولي مقابل رفع العقوبات المفروضة، وتقبل برفع الدعم عن الكثير من السلع الأساسية وتقليص الدور الاجتماعي للحكومة وتحرير العملة. ومع بدء تنفيذ توصيات الصندوق ينهار سعر الجنيه السوداني أمام الدولار وتدخل الدولة في نفق مظلم؟

ولماذا يتم معاقبة السودان نتيجة موافقتها على إنشاء قاعدة بحرية تركية شرق السودان؛ ولماذا يتم معاقبته نتيجة توقيع إتفاقية تنقيب عن الغاز مع روسيا في السواحل السودانية بعدما تم الاعلان عن وجود مخزونات كبيرة ستُخرج السودان من أزمته وتمهد لعودة التدفقات النقدية له مرة أخرى؟

وأخيراً؛ من المسؤول عن الضغط على السودان لمنع تلقيها مساعدات بقيمة مليارات الدولارات من الكويت وقطر وتركيا والصين وروسيا لتبقى تعاني من ضنك العيش وفوضى العوز؟

ونهاية القول؛ فإن ما يحدث في السودان هو مقدمة لما سوف يحدث في مصر؛ وستكون المرحلة اللاحقة جر الجيش المصري - وبذرائع عديدة - سيتفنن الإعلام الغربي بالافصاح عن مكنونها الشيطاني ومآربها الماسونية ليتورط في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل ستقضي على السودان وستحطم الجيش المصري الذي يعتبر القوة الثانية عشرة في العالم؛ 

وعلى ما يبدو فبعدما خرجت مصر بأقل الخسائر من جولة الربيع العربي الأولى، فلن تنجو من المخطط القادم إذا لم يكن هناك من يوقف هذه المهزلة المدبرة والتي ستفتح الطريق لتدخل دولي سافر ينادي بنداءات كبيرة ستكون سبباً بتقسيم الدولتين على أسسٍ دينية وعرقية ... وعندها لن ينفع الندم
 29/4/2023