
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي تعهد في حملته الانتخابية التي أوصلته الى البيت الأبيض بأنه سيعيد لأمريكا قوتها وعظمتها وهيمنتها على العالم بأسره، ها هو حولها الى مهزلة وأضحوكة عندما أجل، او تراجع، عن مخططاته بتوجيه ضربة عسكرية “قاصمة” لايران تؤدي الى تغيير نظامها جذريا، واستبداله بنظام الشاه، او أي نظام آخر يكون “دمية” في يده على غرار جمهوريات الموز.
ترامب أمر القاذفات بالعودة فورا وهي في الجو وقرب الحدود الإيرانية، لان “معلمه” الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هاتفه قبل تنفيذ الضربة بساعات، لإدراكه ان ايران ستطلق آلاف الصواريخ دفعة واحدة على العمق الإسرائيلي تدمره بالكامل، والأهم من ذلك ان الضربة لن تحقق هدفها في تغيير النظام، بل ربما يحدث العكس، أي تغيير النظام الأمريكي نفسه، اذا ما بدأت آلاف اكفان القتلى تتدفق على الولايات المتحدة، من جراء قصف الصواريخ الإيرانية للقواعد الامريكية 55 في الشرق الأوسط، ويقيم عليها 70 الف عسكري امريكي.
***
توجيه الرئيس ترامب “الشكر” للقيادة الإيرانية لأنها “توقفت” عن اعدام 800 محتج، مهزلة ليس لها مثيل في تاريخ الحروب، كشفت “بهلوانية” قيادة الدولة الأعظم في العالم، وضحالة مستواها السياسي والشخصي، ناهيك عن الاستراتيجي، فحتى إيجاد المخارج اللائقة بدولة عظمى من هذه الازمة كانت غائبة عن ذهن الرئيس الأمريكي، وقدراته العقلية، وضحالة المحيطين به، لان كل ما يعرفه ويجيده في الحياة هي السمسرة العقارية والتجارة واشياء اخرى نتعفف عن ذكرها.
الرئيس ترامب كذب بشكل فاضح عندما قال انه لم يؤجل هذه الضربة، او يتراجع عنها، نتيجة إقناعه من قبل بعض الحكومات العربية او إسرائيل، واكد انه اقتنع بنفسه ولم يقنعه احد، والذريعة هي توقف الاحتجاجات وإلغاء الاعدامات، ودون ان يعطي الأسباب تهربا، لان السلطات الإيرانية نجحت في وقفها بالمظاهرات المضادة، والإدارة الحكيمة.
السبب الحقيقي الذي عرى هذا الخواء، والضعف في الإدارة الامريكية الحالية، ويقف خلف هذه المهزلة التي نعيش فصولها بشكل متسارع هذه الأيام، هو انها المرة الأولى التي تقول فيها دولة عربية وإسلامية “لا” كبيرة وتعززها بالاستناد الى القوة العسكرية والشعبية الكبيرة لتحديها، والنزول الى ميدان المواجهة دون خوف او تردد، ولا تبدي أي استعداد بالاستسلام والخضوع، وتقديم التنازلات خوفا ورعبا.
هذه الضربة الامريكية التي جرى إجهاضها في اللحظات الأخيرة، كانت لخدمة إسرائيل وحمايتها، والقضاء على العدو الأكبر لها ايران، وأذرع المقاومة التي تشكل التهديد الوجودي الأخطر عليها، ولا توجد أي مصلحة للشعب الأمريكي، ولهذا عندما اكتشفت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ان الضربة ستعطي نتائج عكسية، هرول نتنياهو الى أقرب جهاز هاتف “أمن” لاستجداء الرئيس ترامب بوقفها فورا، وهذا ما حدث.
الادعاء الكاذب بأن هدف التراجع او التأجيل عائد الى توقف قتل المحتجين واعدامهم يشكل قمة الهبوط والهروب من المواجهة، فمن قتل المتظاهرين، وايا كان عددهم، ليس قوات الأمن الإيرانية، وانما امريكا وإسرائيل اللتان حرضتاهم على النزول الى الشوارع، ودست بينهم آلاف العملاء، وسخرت لهم الانترنت الفضائي، وأجهزة الهواتف الذكية.
الانتصار الإيراني الأكبر الذي تجسد في الصمود والاختراق الكبير للصواريخ الباليستية الإيرانية المتطورة في حرب حزيران (يونيو) (حرب الـ12 يوما) التي اخترقت كل الدفاعات الجوية ووصلت الى أهدافها بدقة ودمرت اكثر من نصف تل ابيب الكبرى، هذا الانتصار، هو السبب الحقيقي وراء “أوامر” نتنياهو لترامب بوقف العدوان وإعادة القاذفات فورا.
الحديث عن نقص الجاهزية في مخازن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من صواريخ ومنظومات دفاعية هو الذي أدى الى طلب التأجيل اكذوبة أخرى، ويمكن تلخيص الأسباب الحقيقية لهذا الموقف الإسرائيلي الهلع بالنقاط التالية:
أولا: الفشل المؤكد للضربة الامريكية في تغيير النظام الإيراني، الا اذا جاءت مصحوبة بغزو بري على غرار ما حدث في أفغانستان والعراق، فالدولة الامريكية العميقة لا يمكن ان تعطي ترامب ضوءا أخضر آخر للإقدام على هذا الغزو غير مضمون النتائج.
ثانيا: خوف القيادة الاسرائيلية من تكبدها خسائر عسكرية استراتيجية واقتصادية ومعنوية ضخمة جدا بسبب فشل دفاعاتها الجوية في اعتراض الصواريخ والمسيّرات الإيرانية مثلما حدث في حرب حزيران، مما سيؤدي الى هز هيبتها وانهاء تفوقها العسكري في المنطقة.
ثالثا: وصول معلومات مؤكدة الى الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية تؤكد ان الصواريخ الإيرانية التي ستأتي ردا على هذه الضربة الامريكية لن تفرق بين اهداف مدنية او عسكرية مثلما حدث في الأيام الـ12، الأمر الذي سيؤدي الى قتل عشرات، وربما مئات الآلاف من المستوطنين الإسرائيليين.
رابعا: ايران دولة حافة نووية، واذا طالت هذه الحرب الجديدة، فان مؤسستها الروحية سترفع الفتوى بعدم انتاج قنابل ذرية على قاعدة الدفاع عن النفس المشروعة، وجميع مكونات انتاج هذه القنابل من يورانيوم عالي التخصيب، وأجهزة طرد مركزية متطورة، وعلماء ذرة، والمفجرات موجودة، وعلى درجة عالية من الجهوزية لإنتاجها في غضون أيام معدودة، ان لم تكن موجودة فعلا في بطون الجبال الشماء، وايران قارة مساحتها اكثر من مساحة “إسرائيل” بـ75 مرة، وتستطيع ان تتحمل ضربات نووية، ولكن لا تتحمل دولة الاحتلال ضربة نووية واحدة.
***
السيد الامام علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية، كان مصيبا جدا كعادته في خطاباته، عندما قال في كلمته التي القاها اليوم بمناسبة البعثة النبوية (الاسراء والمعراج) “الشعب الإيراني قصم ظهر الفتنة، وقال كلمته النهائية عبر وحدته.. اطفأنا الفتنة الامريكية ولكن هذا لا يكفي ويجب محاسبة امريكيا”.
ختاما نقول للشاه الصغير رضا بهلوي الذي بدأ يحزم حقائبه استعدادا للعودة الى طهران وقال ان “الجمهورية الإسلامية ستسقط حتما، والسؤال هو متى وليس اذا”، نقول له تمهل ولا تتسرع، فقد قلت هذا الكلام ثلاث مرات في السابق، فرهانك على اسرائيل وامريكا خاسر، فها هما تتخليان عن عملائهما المندسين في الاحتجاجات في ايران من الذين لبوا النداء بالنزول الى الشوارع وبات رئيسها ترامب يستجدي التقرب من القيادة الإيرانية ويغازلها بامتداح موقفها، وها هو الشعب الإيراني يدفع الثمن غاليا، فإسرائيل وامريكا لن تعيدانك الى العرش، ويكفي ان نذكرك بأنهما لم تفتحا أبواب بلديهما لوالدك بعد ان طرده الثوار عام 1979 وهو المصاب بالسرطان، ولولا مصر العربية العظيمة التي فتحت له أبوابها شفقة ورحمة واصالة لمات مشردا في احد الشوارع، او ممرات احد المطارات المغلقة، فهذه هي اخلاقنا كعرب ومسلمين، وهذه هي اخلاقكم وحلفاؤكم في واشنطن وتل ابيب، ولهذا بدأ تغيير كل معادلات القوة والاستراتيجية في المنطقة بشكل متسارع.
عبد الباري عطوان
.gif)





.gif)