إعلان

تابعنا على فيسبوك

نشأة الدستور وحدود تغييره

أحد, 01/02/2026 - 19:32

تعيش بعض الأوهام السياسية أطول من أصحابها. من أخطرها الاعتقاد أن الدستور مجرد ورقة يمكن تغييرها متى ضاق أفق السلطة، أو متى تعب المجتمع من صراعه مع نفسه.

الدستور، في جوهره، ليس زينة قانونية ولا إعلان نوايا. إنه ميزان دقيق بين قوتين لا قيام للدولة من دون توازنهما: قوة الدولة، وقوة الحرية.

الدولة هي الشرط الأول للدستور. جماعة بشرية فوق إقليم، لها غاية مشتركة، وتتمتع بالسيادة والشخصية المعنوية. قد توجد الدولة من دون دستور مكتوب، وقد تُحكم بالعرف أو بالأمر الواقع.

غير أن الدستور يظهر عادة في لحظة نضج تاريخي، حين يكتشف الناس أن السلطة تحتاج حدودًا كي تبقى دولة، وأن الحرية تحتاج مؤسسة كي لا تتحول إلى فوضى. عند تلك العتبة، يصبح الدستور ثمرة صراع طويل بين الحاكم والأفراد، صراعٍ يرمي إلى التوفيق بين مقتضيات الحكم ومقتضيات الكرامة.

لا توجد وصفة واحدة لنشأة الدساتير. طريقة نشأتها مرآة لدرجة النضج السياسي، ولتوازن القوى، ولطبيعة المجتمع واقتصاده وثقافته. ولهذا تكشف طريقة وضع الدستور عن المذهب السياسي الذي يقوم عليه النظام.

في زمن الحكم المطلق كانت السلطات تتركز في يد واحدة. كان الحاكم يرى نفسه مصدر السيادة، فيضع دستورًا بإرادته المنفردة ويقدمه للشعب بوصفه “منحة”.

قد يبدو ذلك تنازلًا كريمًا، غير أن التاريخ يُظهر أن أغلب هذه الدساتير جاءت تحت ضغط اجتماعي أو سياسي، لا كإيمان حقيقي بتقييد السلطة، بل كوسيلة للحفاظ على هيبة الحكم مع تعديل محدود في قواعد اللعبة.

ومن هنا يبرز سؤال لا مفر منه: هل يملك من منح أن يسترد؟

المنطق السياسي الذي يقدّس إرادة الحاكم يجيب بالإيجاب. أما المنطق الدستوري الذي يحمي الحقوق العامة فيرى أن ما تعلّق به حق عام لا يُسحب بالأهواء، وأن إلغاء الدستور أو تعديله لا يكون إلا وفق الأصول التي تنظمه.

في مرحلة انتقالية أخرى، يولد الدستور باتفاق بين الحاكم والأمة. تظهر إرادة الأمة إلى جانب إرادة السلطة. يبدو ذلك تقدمًا، لكنه يحمل خللًا عميقًا: يجعل الحاكم شريكًا في السيادة على قدم المساواة مع الشعب، وكأن الحرية نتيجة تفاوض، لا أصلًا سياسيًا.

ثم يتقدم التاريخ خطوة أخرى. تنفرد الأمة بوضع الدستور وتمارس ما يُعرف بالسلطة التأسيسية الأصلية.

يتم ذلك عادة عبر جمعية تأسيسية تُنتخب خصيصًا لصياغة الدستور، أو عبر استفتاء تأسيسي يُقر فيه الشعب المشروع مباشرة. وهي الصيغة الأكثر ديمقراطية، رغم ما يرافقها من إشكالات، مثل ضعف النقاش العام أحيانًا، أو اختزال الإرادة الشعبية في خيار ثنائي، أو تحويل الاستفتاء إلى أداة تعبئة بدل أن يكون فعلًا تأسيسيًا واعيًا.

خلاصة هذا المسار أن الدستور لا يولد إلا حيث تتوافر دولة قادرة، ورأي عام واعٍ، وتوازن قوى يقبل أن يخضع الجميع لقواعد أعلى من الجميع.

ويبدو سؤال من يملك تعديل الدستور سؤالًا تقنيًا، لكنه في حقيقته سياسي بامتياز. هل يملكه الشعب مباشرة؟ أم يمارسه ممثلوه؟ أم يحدده الدستور نفسه عبر جهة وإجراءات مخصوصة؟

الجواب العملي واحد: التعديل حق، لكنه ليس حقًا مطلقًا. فإذا لم يُحكم بقواعد واضحة، تحوّل الدستور إلى ورشة مفتوحة تُفصَّل على مقاس القوى العابرة.

ولهذا تُشدد الدساتير إجراءات التعديل. ليس حبًا في التعقيد، بل خوفًا من الاستعجال السياسي. فالتعديل الذي يحترم الدولة يمر بمراحل متدرجة، تمنح المجتمع وقتًا للتفكير، وتمنع السلطة من تحويل النص الأعلى إلى أداة ظرفية.

الدستور قانون أعلى، لكنه يظل قانونًا، والقانون يتغير بتغير المجتمع. إذا جُمد الدستور جُمّدت السياسة، وظهر الطريق العنيف كبديل.

ومع ذلك، تحصن الدساتير جوهرها بقيود زمنية أو ظرفية أو موضوعية، حمايةً للمبادئ الأساسية: شكل الدولة، الحقوق والحريات، تداول السلطة، استقلال القضاء.

وهنا ينقسم الفقه بين من يرفض هذه القيود باسم سيادة الشعب، ومن يراها تعبيرًا عن إرادة شعبية سابقة. والموقف الأكثر اتزانًا يرى أن هذه القيود نافذة ما دامت جزءًا من الدستور، ولا تُرفع إلا عبر المسار الذي رسمه الدستور نفسه.

يمثّل المساس بالمواد المحصَّنة في الدستور انزلاقًا خطيرًا في مفهوم الشرعية الدستورية، لأنه لا يطال آلية قانونية قابلة للتطوير، وإنما يستهدف الأسس التي يقوم عليها العقد السياسي ذاته.

فهذه المواد وُضعت لتكون خارج منطق التعديل الظرفي، حمايةً لشكل الدولة، وللحقوق الأساسية، ولمبدأ تداول السلطة. وحين تُخضع لإرادة الأغلبية العابرة أو لحسابات السلطة القائمة، يتحول التعديل من أداة تنظيم دستوري إلى وسيلة لإعادة تعريف النظام السياسي خارج التفويض التأسيسي.

عند هذه النقطة، تفقد الشرعية طابعها المؤسسي، ويُستبدل حكم القواعد بمنطق الضرورة، وهو منطق يبرر الاستثناء الدائم ويقوّض فكرة الدولة الدستورية من أساسها.

عندما تُنتهك القواعد التي أُنشئت لحماية الشرعية الدستورية، يفقد الدستور قابليته للاستمرار ضمن منطق الإصلاح المؤسسي ويدخل أفق الانقضاء. وتتحقق هذه النهاية إمّا عبر مسار منظّم يقوم على الإلغاء الدستوري والاستبدال الهادئ بما يحفظ كيان الدولة، أو عبر مسار قسري تكسر فيه الانقلابات أو الثورات الإطار القائم

في هذه الحالات تسقط قواعد تنظيم الحكم أولًا، وقد تبقى بعض نصوص الحقوق والحريات إن وُجد من يدافع عنها في الواقع.

التمييز بين الثورة والانقلاب ليس لغويًا. الثورة تغيّر النظام والبنية، أما الانقلاب فيغيّر الأشخاص مع بقاء منطق السيطرة.

وفي الحالتين، حين تنهار الشرعية، تظهر حكومة الأمر الواقع. وهنا نفهم لماذا كُتبت الدساتير أصلًا: لتجنب حكم الواقع، ولتحويل القوة إلى قانون.

الدستور ليس عائقًا أمام الحكم الرشيد، بل شرطه. وتعديله ليس جريمة، بل قد يكون ضرورة.

الخطر يبدأ حين يتحول التعديل إلى عادة، وحين يصبح النص الأعلى تابعًا لدورات المزاج السياسي. عندها تسقط فكرة الدولة نفسها، لأن الدولة التي تغيّر قواعدها كلما اشتدت المنافسة تتحول إلى شخص، والشخص لا يصنع دولة.

وعي الشعب هو الذي يحدد كيف يولد الدستور، وكيف يُعدَّل، وكيف ينتهي. وحين يدرك الناس أن الدستور يحميهم بقدر ما يحمونه، تصبح السياسة أقل عنفًا، ويغدو التغيير ممكنًا دون أن يُكسر البيت على رؤوس ساكنيه.

اسماعيل أحمدوا