
في تاريخ الأمم رجال يمرون مرور العابرين، ورجال آخرون يتحولون إلى علامات مضيئة لا يمحوها الزمن مهما تعاقبت الأجيال. ومن بين هؤلاء المناضلين الذين تركوا بصمتهم العميقة في الوجدان الوطني الموريتاني، يبرز اسم محمد المصطفى ولد بدر الدين رحمه الله، الرجل الذي لم يكن مجرد سياسي أو نائب برلماني، بل كان مدرسة نضالية قائمة بذاتها، ورمزاً من رموز الدفاع عن المظلومين وحقوق البسطاء.
لقد عاش ولد بدر الدين منحازاً للفقراء والكادحين، مدافعاً عن الحقوق في الشارع كما في قبة البرلمان، وفي ساحات النضال كما في المعتقلات والسجون. لم يعرف طريق المساومة، ولم ينحن أمام إغراءات السلطة والمال، ولم يبع مواقفه في أسواق النفاق السياسي التي ازدهرت فيها تجارة الضمائر. ظل واقفاً كالطود الشامخ، صلباً في مواقفه، واضحاً في خياراته، مؤمناً بأن قيمة الإنسان تقاس بثباته على مبادئه لا بحجم ما يجمعه من مكاسب ومنافع.
كان ولد بدر الدين من جيل المناضلين الذين اعتبروا السياسة رسالة قبل أن تكون وسيلة، وموقفاً أخلاقياً قبل أن تكون طريقاً للمصالح الشخصية. ولذلك بقي حاضراً في وجدان الموريتانيين، حتى بعد رحيله، لأن الشعوب لا تحفظ أسماء المتزلفين، بل تحفظ أسماء الذين دفعوا ثمن مواقفهم دفاعاً عنها.
وبرحيل رفيق دربه المناضل سميدع، ثم رحيله هو، تركا فراغاً حقيقياً في الساحة الوطنية. فراغاً لا يملؤه أولئك الذين يبدلون مواقفهم كلما تبدلت المصالح، ولا الذين ينتقلون بين الولاءات كما ينتقل التجار بين الأسواق بحثاً عن الربح السريع.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور الذي تواصل أداءه النائبة المناضلة كادياتا مالك جالو، التي ظلت محافظة على نهج الثبات على المبدأ، سائرة على الطريق الذي رسمه رفاق النضال الأوائل، مؤمنة بأن السياسة الحقيقية هي الدفاع عن المواطن وحقوقه، لا البحث عن الامتيازات والمناصب.
وإذا كان التاريخ ينصف أصحاب المبادئ، فإنه كذلك يفضح المتزلفين وبائعي الضمائر. أولئك الذين جعلوا السياسة وسيلة للثراء والتقرب من أصحاب النفوذ، فباعوا مواقفهم بأبخس الأثمان، وتحولوا إلى أبواق تمدح اليوم ما كانت تهاجمه بالأمس، وتهاجم غداً ما كانت تسبح بحمده اليوم. هؤلاء قد يحققون مكاسب مؤقتة، لكنهم يخسرون احترام الناس، لأن الذاكرة الوطنية لا تحتفظ إلا بمن خدم وطنه بإخلاص وصدق.
لقد رحل محمد المصطفى ولد بدر الدين جسداً، لكنه بقي حاضراً في ضمير كل من يؤمن بأن الكرامة لا تباع، وأن الموقف الشريف أثمن من المال والمنصب، وأن الوطن يحتاج دائماً إلى رجال يقولون كلمة الحق عندما يصمت الآخرون، ويقفون مع المظلوم عندما يتخلى عنه الجميع.
وهكذا سيبقى اسم محمد المصطفى ولد بدر الدين صفحة مشرقة في التاريخ الموريتاني الحديث، ورمزاً للنضال الصادق، ودليلاً على أن أصحاب المبادئ قد يرحلون، لكن مبادئهم تبقى حية لا تموت.
نوح محمد محمود
.gif)





.gif)