إعلان

تابعنا على فيسبوك

حول تصريحات الشيخ تيديان غاديو: موريتانيا حقيقة تاريخية لا يمكن تجاوزها

سبت, 01/08/2026 - 11:52

إن التصريحات التي أدلى بها السيد الشيخ تيديان غاديو، وزير الخارجية السنغالي الأسبق، خلال حفل تقديم وتوقيع كتاب مخصص لقضية الصحراء، أُقيم في دكار، وكان مؤلفه سفير المملكة المغربية لدى السنغال، تدفعني إلى إبداء الملاحظات التالية.
إن ما ورد في حديث السيد غاديو حول العلاقات بين المغرب والسنغال يحمل ما قد يوحي بالتقليل من مكانة موريتانيا ووجودها التاريخي في هذا الفضاء الإقليمي. فالقول أو الإيحاء بأن المغرب يكاد يكون الجار المباشر للسنغال يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن موريتانيا تقع بين البلدين، وأنها دولة ذات سيادة واستقلال منذ عام 1960، شأنها شأن السنغال، وترتبط معه بعلاقات تاريخية وإنسانية وثقافية واقتصادية عميقة.
إن تجاهل موريتانيا وتاريخها ومكانتها في محيطها الإقليمي يعني كذلك تجاهل العمق التاريخي لهذه الأرض في المجال الصحراوي–الساحلي. فقد كانت موريتانيا، عبر القرون، فضاءً رئيسياً للتبادل الحضاري والإشعاع الثقافي والسياسي، ولا سيما من خلال حركة المرابطين، التي امتد تأثيرها إلى منطقة الساحل، بل تجاوزها إلى أوروبا، حيث لعب المرابطون دوراً تاريخياً مهماً. وتؤكد هذه الحقيقة أن موريتانيا ليست حضوراً حديثاً أو هامشياً في هذه المنطقة، بل هي بلد متجذر في تاريخ طويل وعريق.
إن العلاقات بين الدول المجاورة، في مختلف أنحاء العالم، قد تعرف أحياناً فترات من الصعوبات أو التوترات أو سوء الفهم. والعلاقات بين موريتانيا وجيرانها، ولا سيماالسينغال ليست استثناءً من هذه القاعدة العامة. وكما هو الحال في العلاقات بين الدول ذات السيادة، قد تظهر خلافات أو لحظات من الاختلاف، غير أن تجاوزها يظل ممكناً عندما يسود الحوار والحكمة والإرادة المشتركة للحفاظ على الروابط التاريخية والأخوية بين الشعوب.
إن العلاقات بين موريتانيا والمغرب والسنغال تقوم على تاريخ عريق، وروابط إنسانية عميقة، وتقارب جغرافي يفرض الاحترام المتبادل والاعتراف بمكانة كل طرف. وإن الصعوبات التي ظهرت عبر التاريخ لم تُلغِ هذه الحقيقة الأساسية.
ويؤكد السيد الشيخ تيديان غاديو أنه يعرف موريتانيا جيداً. ومن المؤكد أن زوجته عملت في موريتانيا، حيث حظيت بحسن الاستقبال والاحترام والتقدير الذي يعكس قيم الضيافة الموريتانية الأصيلة. وقد أدت مهامها في بيئة وجدت فيها التقدير من طرف العديد من الأشخاص. وتشكل هذه الصلة الشخصية بالبلد أمراً إيجابياً، غير أنها لا يمكن أن تعوض، بمفردها، المعرفة العميقة بتاريخ موريتانيا وواقعها السياسي ودورها الإقليمي.
أما فيما يتعلق بالأزمة السياسية الموريتانية خلال الفترة 2008-2009، فمن الضروري استعراض الوقائع بهدوء ودقة. فقد كانت أزمة سياسية نتجت عن التغيير الذي وقع في السلطة في أغسطس 2008، وكانت أساساً بين الفاعلين السياسيين والمؤسسات المعنية. ولم تتحول في أي وقت إلى حرب أهلية، ولم تؤدِّ إلى مواجهة بين مكونات المجتمع الموريتاني المختلفة.
وقد شارك في الوساطة التي جرت آنذاك عدد من الأطراف الإفريقية والدولية. كما ساهم الرئيس السنغالي عبد الله واد، الذي كان يعرف موريتانيا جيداً، في تسهيل تنظيم المشاورات بين مختلف الأطراف في دكار، بهدف توفير إطار ملائم للحوار.
كما لعبت ليبيا دوراً في هذه الوساطة. وكان قائدها، المرحوم معمر القذافي، يتولى آنذاك رئاسة الاتحاد الإفريقي. وكان يُظهر تقارباً خاصاً مع الجنرال محمد ولد عبد العزيز، رئيس المجلس العسكري في تلك الفترة، ويدعم مساراً سياسياً يحافظ على السلطات الناتجة عن تغيير النظام. وقد عكست زيارته إلى نواكشوط انخراطه الشخصي في هذا المسعى.
وقد أدت اتفاقات دكار التي تلت ذلك إلى التوصل إلى مخرج سياسي للأزمة وتنظيم انتخابات. غير أن تقديم تلك المرحلة على أنها كانت وضعاً يهدد موريتانيا بحرب أهلية لا يعكس حقيقة ما عاشه البلد.
إن شخصية تولت مسؤوليات دبلوماسية رفيعة، مثل السيد الشيخ تيديان غاديو، لا يمكنها تجاهل الحقائق التاريخية التي تحيط ببلدها وبمجالها الإقليمي المباشر. فمعرفة التاريخ تشكل أحد الأسس الجوهرية للمسؤولية المرتبطة بمثل هذه المناصب.
إن موريتانيا أمة عريقة، متجذرة في تاريخها، تقع عند ملتقى المغرب العربي وإفريقيا الغربية. وهي ليست مجرد مجال جغرافي بين فضاءين إقليميين، بل دولة ذات سيادة لعبت، ولا تزال تلعب، دوراً مهماً في محيطها.
وينبغي أن تستمر العلاقات بين السنغال وموريتانيا والمغرب في البناء على أساس الاحترام المتبادل، والأخوة، والاعتراف بالتاريخ الخاص لكل بلد. ومن هذا المنطلق تُطرح هذه الملاحظات.

داهي محمد محمود
سفير موريتانيا الأسبق لدى روسيا وإيطالي