إعلان

تابعنا على فيسبوك

إخواني في القاعدة/ د اسحاق الكنتي

ثلاثاء, 04/08/2026 - 19:15

خلال الشهور التي قضاها ولد الوالد في باكستان وأفغانستان تقيد بشكل صارم بتوصيات الاخوان لمنتسبيهم المسافرين إلى ساحة الجهاد الأفغاني؛ لا تدريب على السلاح، لا اشتراك في أي عمل عسكري. اكتفى ولد الوالد، كغيره من منتسبي التنظيم الدولي، بإلقاء المواعظ والدروس، والسياحة بين المضافات، وزيارة بعض معسكرات القاعدة. إذا كانت هذه الزيارات والسياحات والمواعظ تكفي لاكتساب صفة المجاهد فقد استحقها عن جدارة، فعاد متوشحا بها إلى انواكشوط.
 بعد حصوله على شهادة المتريز من المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية، في الظروف الاستثنائية التي شرحناها من قبل، قرر ولد الوالد السفر إلى السودان "ليس بهدف الدراسة فقط، بل بهدف الالتحاق بالمجاهدين هناك..." المذكرات، ج1، ص:222. هؤلاء الذين يصفهم بالمجاهدين حركات تقاتل أنظمة في بلدان مسلمة؛ السعودية، مصر، وليبيا. ولا يمكن أن تلحقهم صفة "المجاهدين" إلا بتكفير الأنظمة التي "يجاهدون" ضدها. وتكفير الأنظمة يستتبع تكفير الشعوب التي توالي حكاما كفرة. ومن الغريب أن ولد الوالد قال في الصفحة 221، من ج1 "...فقد قررت قيادة تنظيم القاعدة مع بعض الجماعات والتجمعات العربية التي كانت في أفغانستان الخروج من {فتنة} القتال بين المسلمين في أفغانستان الذي هو مجرد قتال على الحكم، ليس من الجهاد في شيء." فما الفرق بين تقاتل الفصائل الأفغانية على الحكم وحرب الجماعات المصرية والليبية على نظامي مبارك والقذافي؟ فحين تصف تلك الجماعات بالمجاهدين فأنت تنطلق من موقف تكفيري. وهذا هو الفخ الذي نصبته الدوائر الغربية للمسلمين. فلما كان الجهاد يمثل خطرا على المجتمعات الغربية الغازية لبلاد المسلمين تم العمل على حرف الجهاد ليوجه ضد المجتمعات المسلمة بالاستناد إلى تنظير أبي الأعلى المودودي، وسيد قطب اللذين قررا أن المجتمعات المسلمة قد ارتدت إلى فترة الجاهلية، بالتالي فإن جهادها أولى بنص القرآن: التوبة 123. 
 وهكذا، فإن مصطلح الجهاد الذي قسم في الفقه إلى جهاد دفع وهو فرض عين، وجهاد طلب وهو فرض كفاية قد أخرج من سياقه لتختطفه جماعات تواضع جمهور المسلمين على وصفها بالبغاة، والخوارج. وبذلك رد خطر الجهاد على الكفار الغزاة للمسلمين إلى نحور هؤلاء ليصبح أداة لتمزيق المجتمعات وإنهاك الدول في حروب داخلية القاتل فيها والمقتول يرفع عقيرته بالتكبير.
 بإطلاقه صفة "المجاهدين" على هذه الجماعات ينتظم ولد الوالد في سلك التكفيريين رغم فكره وسلوكه الإخواني. التحق صاحبنا بتنظيم القاعدة في السودان "نزلنا بمضافة الشيخ أسامة بن لادن في حي الرياض، في هذه المضافة قابلت الشيخ أسامة بن لادن مقابلة خاصة لأول مرة، وهي المقابلة التي كانت البداية الفعلية لعلاقات خاصة ومتينة ربطتني به خلال السنوات التالية." ج1، ص:225. سيطلب بن لادن من صاحبنا إحضار أسرته إلى السودان "... حتى أقدم ما أستطيع تقديمه من مشورة، أو نصح، أو مساعدة للإخوة في حكومة ثورة الإنقاذ في السودان..." ص:226.
 بعض الدعاوى تحتاج إلى قدرة فائقة على تجاهل الوقائع لإطلاقها؛ فما هي "المشورة والنصح" الذي يمكن أن يقدمه يافع لا يحمل من الشهادات سوى الباكلوريوس من معهد دراسات إسلامية، وحصل عليها في ظروف استثنائية اعتمدت على تقييم "جهاده" بدل معارفه. وليس له من الخبرة سوى ثمانية أشهر قضاها بين مضافات بيشاور ومعسكرات القاعدة. فهل تحتاج حكومة السودان بكل كوادرها العلمية والإدارية إلى مشورته ونصحه؟
 لقد بلغت نسبة الحاصلين على شهادة جامعية 1.5 إلى 2 في المائة من مجموع السكان البالغ عددهم حوالي 26 مليون سنة 1993. وبذلك فإن حوالي 520.000 مواطن سوداني يحملون شهادات جامعية. فهل تحتاج حكومة هذه الدولة إلى مشورة ونصح من جاءها قصد الالتحاق بالدراسات العليا في إحدى جامعاتها التي تراوح عددها بين 18، و22 جامعة. لا يبدو أن الحكومة السودانية عبرت عن حاجتها إلى مشورة ونصح ولد الوالد لذلك سيكتفي ب"وضع برنامج تربوي لأفراد تنظيم القاعدة." 229، وسيوكل إليه الشيخ أسامة "النظر الشرعي في بعض الأمور المالية المتعلقة بشركات استثماره في السودان."236. ولعل القارئ يتساءل ما هي المؤهلات العلمية التي تسمح لولد الوالد بالنظر الشرعي في المعاملات المالية؟ سأعود إلى هذا الموضوع حين أتناول صفة "مفتي القاعدة".
تحت عنوان: محاولات إصلاح تنظيمية في القاعدة، يورد ولد الوالد بعض مآخذه على الشيخ أسامة؛ فهو مؤسس التنظيم، وهو أميره المطلق، المنفق على أعضائه من حر ماله، وهو يرى "من حقه على أفراد تنظيمه السمع والطاعة، ولو فيما خالفه فيه غالبية أفراد التنظيم بمن فيهم أعضاء مجلس الشورى، واللجان المختلفة."255.
 كان بن لادن يفكر بعقلية سلفية ترى السمع والطاعة للأمير في المنشط والمكره، لكن ولد الوالد، ومن يقاسمه وجهة النظر، سيحاول الحد من صلاحياته بدعوى إلزامية الشورى للأمير، وهو ما سينظر له الإخوان أثناء فتنة ربيعهم. وسيستعمل حيلة إخوانية أخرى تفتح الباب أمام التبرعات لتمويل أعمال التنظيم، لكن الهدف الحقيقي هو "كسر احتكار الشيخ أسامة للتمويل الذي ينجم عنه بالضرورة احتكار اتخاذ القرار..."257.
 سيستمر ولد الوالد في محاولاته أخونة القاعدة بدفع أفرادها أثناء "الرحلات التربوية والترفيهية" إلى حياة الدعة، والتمتع بمباهج الحياة الدنيا: "قد يكون مكان الرحلة، إذا اخترته أنا، ضفة نهر النيل بمياهه الجارية، وهوائه العليل، وجوه المنعش، وطبيعته الخضراء..."260. تليق هذه الرحلة بشباب من الكشافة، أو مجموعة سياحية قصدها المتعة والترفيه. لكنها لا تلائم مقاتلين أشداء نذروا أنفسهم للشهادة، فطلقوا الملذات إذ رأوها فتنا تصدهم عن الدار الآخرة وما ينتظرهم فيها من نعيم لا يزول. وهذا ما أدركه بن لادن. "أما إذا اختار الشيخ المكان فالغالب أن يكون واديا جافا في الصحراء، شديدا حره، كثيرا شوكه، لا ماء فيه ولا حياة."261
 وهكذا، يظهر لنا بشكل جلي اختلاف التصورات والمناهج بين بن لادن وولد الوالد. فبن لادن ينطلق من طبيعة تنظيمه "جماعة جهادية مقاتلة، نشأت وتشكلت في ساحات الجهاد وميادين القتال في أفغانستان."262، ومن ثم فإن النشاطات، ولو كانت "ترفيهية" ينبغي أن تستحضر أجواء الجهاد والتضحية. أما ولد الوالد، الذي عاش حياة الدعة حتى في معسكرات القاعدة فهو يتوق إلى أن يعيش "رفاقه" نفس الحياة فيستمتعون بالمباهج بدل شظف العيش.
 سيستمر ولد الوالد في محاولاته الحثيثة للتأثير على فكر بن لادن، وموقفه من "الجماعات الجهادية" التي لا تخفي عداءها للإخوان. فقد تفاجأ ولد الوالد، في باكستان، من الحملة على الإخوان ولم يكن سعيدا بها. وفي السودان كان يجاهر برأيه "... ومعروف عني عدم التقيد بكل أدبيات الجماعات الجهادية، بل نقدي لها أحيان..."269. سيفلح ولد الوالد في إقناع بن لادن بوقف دعمه العسكري لتلك الجماعات "وفي مقدمة هذه الجماعات جماعة الجهاد المصرية، وبعدها الجماعة الإسلامية المصرية."269، وكلتا الجماعتين من ألد أعداء الإخوان المسلمين.
 يعترف ولد الوالد أنه كان يحاول تحقيق هدف محدد في صرف القاعدة عن طبيعتها "الجهادية" من خلال التأثير على بن لادن. "ولاشك أن جلساتي المتكررة معه، ومناقشاتنا لهذه الأمور كان لها أثر كبير في التحول الدي حصل عند الشيخ."270. تمثل هذا التغير، في رواية ولد الوالد، في تأسيس بن لادن "هيئة النصيحة والإصلاح"، ومحاولته الاتصال بالنظام السعودي، وانشغاله بالبرامج التربوية والإعلامية على حساب البرامج ذات الطابع العسكري. وأخذ التنظيم "يتوجه وجهة دعوية تربوية في منهجه الجديد."298.
 يتحسر ولد الوالد على إجهاض جهوده بإخراج بن لادن من السودان: "كان الشيخ أسامة عند إخراجه من السودان قد أوقف كل أنتشطته العسكرية والجهادية، وغرق مع من بقي معه من أفراد تنظيمه في مشاريع استثمارية مدنية في السودان." 304 ويؤكد ولد الوالد، مع نبرة مرارة، "وأنا على يقين من أن الشيخ أسامة لو ترك هو وتنظيمه في السودان، لتحول، مع مرور الوقت إلى تنظيم إسلامي مدني."304.
 من الواضح أن ولد الوالد كان يعمل على أخونة القاعدة بشكل حثيث، بل علمنتها في نهاية المطاف كما انتهى التنظيم الدولي للإخوان المسلمين بعد فتنة الربيع إلى تنظيم علماني يستحي من استخدام المصطلح فيعمي بالمدنية. فقد تخلت جميع الأحزاب الإخوانية التي استلمت الحكم في تونس ومصر وليبيا واليمن عن تطبيق الشريعة، بل إنها أخرجت صفة الإسلامي من عناوين أحزابها كلها. لكن السؤال الجدير بالبحث هو هل كان ولد الوالد يتصرف من تلقاء نفسه، أم أنه كان مكلفا بمهمة؟ وهناك سؤال آخر لا يقل أهمية. أصدرت الخرطوم أمرا للتنظيمات "الجهادية" بمغادرة البلاد، فلماذا استثني ولد الوالد، عضو القاعدة المقرب من بن لادن، من قرار الإبعاد هذا؟!