
كان يمتلك مغسلة من صفائح الزنك أو ما يعرف بالبنطرة في طرف السوق بالقرب من دكاكين الحجارة القديمة. على رفوفها الخشبية المثبتة بالمسامير يضع ما تيسر من ملابس الزبناء وأغلبها دراريع الكادحين والعاطلين عن العمل والتلاميذ الصاعدين يوميا نحو الثانوية المخبأة خلف الهضاب الصخرية. دراريع ملونة أطرافها السفلية بتربة السوق الداكنة التي راكمتها خطوات العابرين منذ عدة عقود حول دار الجزارين وبائعات الصناعات التقليدية الجالسات في الممرات الضيقة والمظللة. كان ساعداه المتعبان يفركان الملابس بجدية ويعركانها ويعصرانها، ثم يضيف العلك للدراعة حتى تبدو بعد كيّها كأنها تصدر أصوات رعود عند تحريك لابسها أكمامه بخيلاء وهو يمشي تحت ظلال المساء بمنتهى الأبهة المدعمة بسائل الصمغ العربي، ويتوقع أن يقع في حب عابر يجعل قلمه الأزرق يتقيأ مرارا في جيب دراعته بالمزيد من رسائل الحب المطوية...
يعود الغسال مساء لمنزله المتواضع قرب البطحاء حاملا معه دخلا زهيدا. مع عبور الأيام والليالي بدا ساعده الأيمن مقوسا جراء ضغطه الجاد على المكواة المحشوة بالجمر المتقد والذي يسقط أحيانا شرره من إحدى فتحات المكواة ويترك ثقوبا في الدراعة التي تُكوى. ثقوب تترك فجوات مفتوحة في جيوب وقلوب العاطلين عن العمل والطلاب، لكنها لا تفسد ثقتهم في الغسال الذي كان لا يغسل ثيابهم فقط، بل كان يغسل أيضا ديونهم ...
كان يقابلني بابتسامته العفوية وأنا القادم غالبا بدراعة لا أعرف لماذا ألبسها في ذلك الوقت المبكر على جر الأكمام. كان يحدثني بكلماته الثورية عن تغيير نظام (PRDS) وخطابات (APP) المدوية، وهو المعارض والحقوقي الذي لم يدخل المدرسة. لکنه مع ذلك لم يكن يفوت المسيرات والمهرجانات الخطابية. كان يمسح العرق عن جبينه في السهرات الحزبية الزامتة في صيف لعيون الساخن، والذي ساهمت جدران الحجارة بمده بالمزيد من الحر ورائحة العرق ...
مرت السنين واختلطت المعارضة بالموالاة واستمر ترتيب الحروف الأبجدية لأحزاب السلطة والمعارضة في أخذ أسماء أخرى ومقرات مختلفة. وترك صاحبنا العمل من أجل التغيير وتحالف مع يد أحد أولاده أو أحفاده التي أصبحت تقوده في الطرقات الملتوية، بعد أن أصبح ضريرا ومنسيا في ضواحي الحياة ..
مررت عليه مساء في عريشه وكان الشيب تحالف مع العمى، رغم أنني متأكد تماما أن ابتسامته ما زالت حالمة وخطوط التجاعيد المتسعة تزيدها ابتهاجا. لكنني لا أعرف موقفه حاليا من الديمقراطية التي جاءتنا معلبة في صناديق البلاستيك، ومن النخبة التي سكبتها في قلوب المنسيين في الوطن، دون أن تملأها بالأمل أو تتركها فارغة من الخيبات ...
ربما استفاد الغسال من خدمة عون أو ربما تآزر، ولكنه ما عساه يفعل مع الغلاء ؟ ومع الذين دعوا لمأمورية ثالثة بعد حوالي 35 سنة من التناوب على المبادرات والبيانات والانسحابات والترضيات والانقلابات ؟
وبينما أنا أمضي في الطريق التي أعرفها جيدا، هممت أنا أسحب يدي على الحيطان مثل الأطفال وأعود للمنزل مغمض العينين مثل المناضل الضرير، فلن أرى في الظلام إلا الذي كنت رأيته في النور !
.gif)





.gif)