
أكد وزير الخارجية محمد سالم ولد مرزوك؛ أن العالم يمر اليوم بلحظة تحول حاسمة تتجاوز تجلياتها المشهد الجيوسياسي، لتشمل الأبعاد البيئية والإنسانية والاقتصادية والأمنية.
وأضاف في كلمة ألقاها باسم رئيس الجمهورية، محمد ولد الشيخ الغزواني، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، أن هذه المرحلة تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية جماعية تجاه الأجيال القادمة، تتمثل في العمل على ترك عالم أفضل مما ورثته الأجيال الحالية.
وأوضح أن تحقيق هذا الهدف يمر عبر استعادة طريق السلام، وتجديد نهج العمل الأممي المشترك، وتمكين الأمم المتحدة من استعادة حيويتها وفاعليتها في خدمة السلام الدائم والأمن الجماعي.
وأشار الوزير إلى أن التحولَين العميقين اللذَين يُعيدان تشكيل ملامح المشهد العالمي يتمثلان في متطلبات الأجندة الأممية من جهة، وما يفرضه التوسع غير المسبوق في آفاق المعرفة، بفعل التسارع التكنولوجي، من استحقاقات من جهة أخرى، مؤكدا ضرورة التعامل معهما بما يضمن توجيه هذا التحول لخدمة الإنسانية.
وشدد على أهمية العودة إلى القيم التي استرشد بها الآباء المؤسسون في إرساء المثل العليا المشتركة التي قامت عليها منظمة الأمم المتحدة، مبرزا أن العقل الرشيد والحوكمة المنصفة وحسن توظيف التقدم التكنولوجي تظل عناصر أساسية لتجاوز التحديات الراهنة.
وقال إن شعار الدورة الحالية، «استعادة الثقة، إدارة التحول، أمم متحدة تخدم الجميع»، يجسد جوهر المسؤولية تجاه الأمم المتحدة باعتبارها البيت المشترك الذي شيدته الشعوب بعد مآسي القرن العشرين، واختارت في إطاره الاحتكام إلى قوة القانون بدل منطق القوة، وإلى الحوار بدل المواجهة.
وأبرز أن مسؤولية المجتمع الدولي تتعاظم اليوم في صون هذا البناء، في ظل ما وصفه بتصدع قواعده بفعل الانتقائية في تطبيق القانون الدولي، والتنصل من التعهدات الجماعية، وإعفاء بعض الدول نفسها من قواعد تطالب غيرها باحترامها.
وأضاف أن ذلك يفضي إلى إضعاف آليات التعاون والأمن الجماعي، والتراجع في القدرة على منع النزاعات وتسويتها، بما يجعل المخاطر تتجاوز المؤسسات لتهدد أمن البشرية برمتها.
وأكد أن العمل متعدد الأطراف لا يمثل قيدا على مصالح الدول وسيادتها، ولا تعبيرا عن الضعف، وإنما يشكل ضرورة لحماية السلام والكرامة الإنسانية ومواجهة التحديات العابرة للحدود.
وأشار إلى أن الدفاع عن الأمم المتحدة هو دفاع عن حق جميع الشعوب في تقرير مستقبلها والمشاركة في صنع القرارات التي تؤثر في مصيرها، مؤكدا حاجة المنظمة إلى مزيد من العدالة في تمثيل شعوب العالم وقدرة أكبر على الاستجابة لتحديات العصر.
وفي هذا السياق اعتبر وزير الخارجية أن إصلاح مجلس الأمن ضرورة لضمان تمثيل منصف للقارة الإفريقية، بما في ذلك تخصيص مقاعد دائمة، إلى جانب إصلاح النظام المالي الدولي ومراجعة شروط المديونية، بما يسهم في إرساء شراكة متكافئة وتوسيع آفاق التنمية.
كما شدد على أن إصلاح المنظومة الدولية لا يكتمل من دون تعزيز قدرتها على الوفاء بتعهدات التنمية، داعيا، مع اقتراب أفق 2030، إلى تسريع تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، ومثمنا مبادرة «الأمم المتحدة 80» و«ميثاق المستقبل».
وجدد الوزير التزام الجمهورية الإسلامية الموريتانية بمقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، موضحا أن السياسة الخارجية للبلاد تقوم على حسن الجوار، واحترام سيادة الدول واستقلالها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والتسوية السلمية للنزاعات، ومناصرة القضايا العادلة.
وأوضح ولد مرزوك أن موريتانيا انطلاقا من هذه الثوابت، تواصل بقيادة فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني بناء دولة عصرية، متصالحة مع ذاتها، منسجمة مع محيطها ومنفتحة على العالم.
وعلى الصعيد الوطني، أشار معالي الوزير إلى اعتماد استراتيجية متكاملة في أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، تقوم على الحوار والتشاور في تسيير الشأن العام، مبرزا في هذا الإطار إطلاق مسار حوار سياسي وطني شامل لا يقصي أحدا ولا يستبعد أية قضية، بهدف بناء توافق حول تطوير المؤسسات وترسيخ دولة القانون والديمقراطية وحماية الحقوق والحريات.
وفي المجال الاجتماعي، قال إن الحكومة تعمل على تعزيز الوحدة الوطنية والتماسك المجتمعي، من خلال مكافحة الإقصاء والغبن والهشاشة ومعالجة مخلفات الرق، مشيرا إلى الدور الذي تضطلع به المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء «تآزر» في تنفيذ برامج الحد من الفقر وتقريب الخدمات من الفئات الأكثر احتياجا.
وأضاف أن جهود توسيع الحماية الصحية شملت إنشاء صندوق للتأمين الصحي لفائدة غير المشمولين بالأنظمة القائمة، وإقرار مجانية بعض الخدمات الطبية الأساسية للفئات الأولى بالرعاية، ولا سيما الأمهات والمسنين والأشخاص ذوي الإعاقة.
وفي مجال التعليم، أوضح أن إصلاح المدرسة الجمهورية يشكل أساس الجهود الرامية إلى توفير تعليم عصري جيد يكرس المساواة والإنصاف وتكافؤ الفرص.
كما أشار إلى تركيز جهود الحكامة الرشيدة على تعزيز الشفافية واستقلال القضاء ومكافحة الفساد وإصلاح نظام الصفقات العمومية وتحسين مناخ الأعمال.
وفي المجال الأمني، أوضح أن المقاربة المعتمدة تجمع بين مواجهة الغلو والتطرف بالفكر والحوار، وتعزيز الجاهزية العسكرية والأمنية، ومعالجة أسباب الفقر والهشاشة، مبرزا أن تكامل هذه الأبعاد أسهم في صون أمن البلاد واستقرارها في محيط إقليمي مضطرب.
وأكد الوزير انخراط موريتانيا بفاعلية واتزان في مختلف دوائر انتمائها الإقليمية الإفريقية والعربية والإسلامية والدولية، مسترشدة بثوابت سياستها الخارجية القائمة على التعاون والتضامن واحترام السيادة وحسن الجوار.
وأوضح أن مواجهة التحديات المشتركة تقتضي تعزيز العمل متعدد الأطراف وتضافر جهود المجتمع الدولي، مشيرا إلى إسهام موريتانيا، من خلال حضورها في الأطر الإقليمية والدولية ومشاركتها في بعثات حفظ السلام، في دعم جهود التسوية السلمية وتعزيز التعاون والتنسيق على المستويين الإقليمي والدولي.
وأكد أن هذا الإسهام ينطلق من إيمان موريتانيا بضرورة بناء شراكة دولية متكافئة، باعتبار أن أيا من الدول، مهما اتسعت إمكاناتها، لا تستطيع مواجهة تحديات عالم متزايد الترابط بمفردها.
وأشار إلى أن جائحة كورونا وما أعقبها من اضطرابات في سلاسل توريد الغذاء والطاقة، بفعل الحروب والأزمات، كشفت مدى تشابك مصالح الدول وترابط أمنها واستقرارها.
وفي هذا السياق، اعتبر أن الهجرة تأتي في صميم التحديات المشتركة، باعتبارها ظاهرة قديمة قدم المجتمعات، غير أن اتساع تدفقات المهاجرين وتعقدها يفرضان مقاربة واقعية تبتعد عن التهوين والتوظيف السياسي المغذي للخوف والشعبوية والانغلاق.
ودعا إلى تعزيز التعاون بين بلدان المنشأ والعبور والمقصد، وتقاسم الأعباء بصورة منصفة، ومعالجة أسباب الهجرة غير النظامية، ومكافحة التهريب والاتجار بالبشر، وتنظيم التدفقات واستشرافها، مع صون كرامة المهاجرين وحقوقهم.
وأكد أن الاستجابة لهذا التحدي تقوم على المسؤولية المشتركة والتضامن العملي.
وفي ما يتعلق بالصراعات القائمة، شدد الوزير على أن اتساع رقعتها وتفاقم كلفتها الإنسانية يفرضان عملا أكثر حزما لحماية المدنيين وإيجاد تسويات سلمية تصون حقوق الشعوب.
وبخصوص القضية الفلسطينية، أكد أن الفظائع والتدمير اللذين شهدتهما الأراضي الفلسطينية وما خلفاه من ضحايا ونزوح يضاعفان مسؤولية المجتمع الدولي، والأمم المتحدة بصورة خاصة، في حماية الشعب الفلسطيني وإنهاء معاناته.
وجدد دعم موريتانيا لحل عادل ودائم للقضية الفلسطينية، على أساس المبادرة العربية للسلام وقرارات الشرعية الدولية، بما يفضي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وثمن جهود الوساطة التي بذلتها الولايات المتحدة الأمريكية ومصر وقطر وتركيا، مؤكدا ضرورة التنفيذ الفعلي لقرار مجلس الأمن رقم 2803 الصادر في 17 نوفمبر 2025 بشأن خطة السلام في غزة، بما يحقق السلام ويتيح الإغاثة وإعادة الإعمار.
كما نوه بالخطوة التي بادرت بها عدة دول أوروبية خلال العام الماضي بالاعتراف بدولة فلسطين، ورحب بالإجراءات الأخيرة التي اتخذتها دول أوروبية بفرض عقوبات على مستوطنين إسرائيليين متورطين في أعمال عنف ضد الشعب الفلسطيني.
وأكد أن هذه المبادرات ينبغي أن تشكل منطلقا لتحرك دولي أكثر فاعلية، يضع حدا لسياسة الاستيطان ويفتح آفاقا حقيقية لتجسيد حل الدولتين على أرض الواقع.
وأعرب عن أسفه لحرمان ممثلي الشعب الفلسطيني من المشاركة المباشرة في هذا المحفل الدولي، معتبرا أن ذلك يتعارض مع روح التعددية والحوار التي قامت عليها منظمة الأمم المتحدة.
وأشار إلى أن دولة فلسطين تحظى باعتراف أغلبية واسعة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وهو ما يعكس، حسب قوله، التأييد الدولي لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
ودعا إلى ضمان مشاركة الوفد الفلسطيني في أعمال الأمم المتحدة دون عوائق، واحترام حقه في التعبير عن تطلعات شعبه والدفاع عن قضيته أمام المجتمع الدولي.
وبخصوص لبنان، جدد الوزير مساندة موريتانيا للشعب اللبناني إزاء الانتهاكات الإسرائيلية، ودعمها للمفاوضات الرامية إلى إنهاء معاناته وصون سيادة لبنان وأمنه.
وفي ما يتعلق بالسودان، أكد تضامن موريتانيا مع الشعب السوداني وتمسكها بوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، داعيا إلى وقف الحرب وتغليب الحوار وحماية المدنيين وإنهاء معاناتهم.
وبشأن ليبيا، جدد دعم جهود الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي للتوصل إلى تسوية مستدامة تحفظ وحدة البلاد وسيادتها وتحقق الأمن والاستقرار للشعب الليبي.
كما جدد دعم موريتانيا للشرعية في اليمن، وللتوصل إلى حل سلمي يستند إلى المبادرات العربية والقرارات الدولية ذات الصلة، وأدان الهجمات التي تستهدف أمن المملكة العربية السعودية واستقرارها وسلامة أراضيها ومنشآتها المدنية.
وفي ما يتعلق بالنزاع في الصحراء الغربية، جدد الوزير موقف موريتانيا الداعم لجهود الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، من أجل التوصل إلى حل عادل ومستدام ومقبول لدى جميع الأطراف.
وأعرب عن بالغ القلق إزاء التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، وما ينطوي عليه من تهديد لأمن المنطقة واستقرارها، وامتداد تداعياته إلى مضيق هرمز، بما يؤثر على أمن المنطقة وحركة الملاحة والتجارة الدوليتين.
كما أعرب عن تضامن موريتانيا مع المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر ومملكة البحرين ودولة الكويت والمملكة الأردنية الهاشمية، إزاء ما تعرضت له من هجمات وتهديدات مست أمنها واستقرارها.
وأكد رفض موريتانيا لاستهداف أراضي الدول وسيادتها، أيا كان مصدره، داعيا جميع الأطراف إلى وقف التصعيد وضبط النفس وتغليب الحوار والتفاوض، وتجنيب المنطقة وشعوبها مزيدا من الأزمات والمعاناة.
وفي ختام كلمته، جدد وزير الشؤون الخارجية التأكيد على أن العالم يمر بلحظة تحول حاسمة تتجاوز أبعادها المشهد الجيوسياسي لتشمل الأبعاد البيئية والإنسانية والاقتصادية والأمنية.
وأكد أن موريتانيا تدرك جسامة هذه المرحلة وحساسيتها، وتستحضر مسؤولية المجتمع الدولي أمام التاريخ في العمل على ترك عالم أفضل للأجيال القادمة.
ودعا إلى استعادة طريق السلام من خلال نهج متجدد للعمل الأممي المشترك، وتمكين الأمم المتحدة من استعادة حيويتها وفاعليتها في خدمة السلام الدائم والأمن الجماعي.
كما شدد على ضرورة حسن التعامل مع التحولات العميقة التي تعيد تشكيل المشهد العالمي، وفي مقدمتها متطلبات الأجندة الأممية والتوسع غير المسبوق في آفاق المعرفة بفعل التسارع التكنولوجي.
وأكد في هذا الصدد أهمية الاسترشاد بالقيم التي قامت عليها منظمة الأمم المتحدة، والاستثمار في العقل الرشيد والحوكمة المنصفة وحسن توظيف التقدم التكنولوجي، بما يسهم في تجنيب الإنسانية مخاطر التحديات الراهنة وفتح آفاق أوسع لمستقبل أكثر أمنا واستقرارا.

.gif)





.gif)