
(1)
على بعض الجنازات التى لا تُشيَّع الموتى فقط ، بل تُشيِّع أوهامًا سقطت ، وتستدعي وطنًا كان يُظن أنه غاب ..
(2)
على "جنازة سيف الإسلام القذافي" التى لم تكن وداع لجسد فقط ، بل "صلاة جامعة" على معنى ليبيا نفسها ؛ ليبيا التي فرقتها السياسة ، وجمعتها اللحظة والمصير ، حين وقف فيها الوطن صفًا واحدًا خلف نعشٍ صار راية ..
(3)
على "التشييع الأكبر" الذي عرفته ليبيا ، رغم الظروف الأمنية والاقتصادية التي منعت أضعاف هذه الأعداد من الوصول ، ومع ذلك ، وصلت الرسالة كاملة ، واضحة ، بلا وسيط ، وبلا ترجمة ، مازال الوطن بوصلتنا ، ومازلنا أحياء ..
(4)
على بني وليد ، التى شيعت سيف الإسلام القذافي بما يليق به ، تعاطفًا لا ادعاء فيه ، وحشدًا لا استعراض فيه ، وضيافةً بلا منّة ، وأمنًا بلا عسكرة ، وحكمةً بلا تبجّح ، لأنها اختارت المبادئ بدل العقاب ، والحكمة بدل الغضب ، والتعقل بدل الفوضى ..
(5)
على بني وليد ، التى لاتهتم بالزمن ولكنها تهتم بالتاريخ ، فبعض المدن تُراكم السنوات ، وبعضها يُراكم المواقف ، وبني وليد من النوع الذي لا يهتم كثيرًا بالزمن ، لأنها تعرف أن التاريخ وحده هو الذي يبقى ..
(6)
على بني وليد ، المدينة لا تحتاج إلى شكرٍ عابر ، بل إلى تقديرٍ يليق بثباتها ، وإلى اعتذارٍ صريح عن سنوات الإهمال ، وعن معالجاتٍ قاسية لم تُنصفها ، وعن ظلمٍ أُلبس ثوب السياسة ، فكان أثقل من السياسة نفسها ، ونقول لها اليوم بوضوح لا لبس فيه .. نشكركِ يا بني وليد ، ونعتذر منكِ ، نشكركِ لأنك كنتِ على قدر اللحظة ، ونعتذر منك لأن الوطن لم يكن دائمًا على قدركِ .. ولم يوفيك حقك ..
(7)
على بني وليد ، المدينة التى لا تُحدَّد اتجاهات بوصلتها بالمباني ولا بالطرق ، ولا تُغيّر مواقفها تحت وطأة العقاب أو الإقصاء ، لأن بوصلتها تُصنع من القيم الأصيلة ، وتُصحَّح في كل لحظة مفارقة ، حين تختار ما يشبهها ، لا ما يُغريها بالانتقام أو التشفي ..
(
على بني وليد ، التي احتضن تراب مقابرها على مدى التاريخ مئات المجاهدين من مناطق ليبيا الأخرى ، الذين جاهدوا حولها ومعها ، فلم تكن يومًا مدينة على هامش الوطن ، بل قلبًا صبورًا في مركزه ..
(9)
على بني وليد ، التي دفن في ترابها كل من استشهد دفاعا عن الوطن من ابنائها وابناء وطنها ، الأجداد ورفاقهم ، والأباء ورفاقهم ، والأبناء ورفاقهم ، من سلاسل الدم المقدس التى أكدت ترابط الأجيال بالمبدأ ، لا بالمصادفة ..
(10)
على بني وليد ، التي لا تكتفي بالإحتفاظ برفاة الشهداء فقط ، بل تضع نفسها في موقع قيادة المشروع الوطني ، بعد أن ساهمت في وضع أسسه الأخلاقية قبل السياسية ، والمطلوب منها الآن : مبادرة وطنية جامعة ، وخطة عمل وطنية ، تُترجم القيم إلى مسار ، والرمزية إلى مسؤولية ..
(11)
على "مشهد الأكف" التى ارتفعت بالدعاء ...... ، ، وحين انطلقت زغاريد نساء بني وليد ، لم تكن طقس فرحٍ في حزن ، بل إعلان موقف :
هذا ابننا ، وهذا خيارنا ، وهذه شهادتنا أمام الله والزمن ..
(12)
على "صدح الهتافات" التي خرجت من صدور الشيوخ والشباب والنساء والأمهات ، والتى لم تكن انفعالًا عابرًا ، بل كانت بوضوح بوصلة في زمن تاهت فيه الرؤية والإتجاهات ، واستفتاءً صريحًا على صحة الطريق ، في وقت اختلطت فيه الأصوات بالضجيج ، وتعالت فيه المزايدات بالمصالح ، وتساوت فيه الادعاءات بالحقائق ..
(13)
على "سلاسل الدم وقوافل الشهداء " للأجيال المختلفة التى مرت من هنا ، والتى تتلقي على لحظة واحدة أعلنت حقيقة :
أن الوطن للجميع ، لكنه لا يُبنى بالصوت الأعلى ، بل بالموقف الأصدق ..
والله المستعان ..
عبد الله عثمان عبد الله
.gif)





.gif)